محاولات تشويه صورة الرساليين

.. الخطبة التاريخية حول الشهداء الـ 16


للمرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله دام ظله

مقطع من خطبة
يوم الجمعة 23 صفر 1410 هـ الموافق 23/9/1989م
جامع الإمام الرضا عليه السلام – بئر العبد


محاولات تشويه صورة الرساليين


..
وهناك قضية أخرى نقلتها إلينا وكالات الأنباء وهي أن هناك معتقلين كويتيين قيل إنهم شيعة ، اعتقلوا في موسم الحج ، وتقول الأنباء إنهم شيعة وتؤكد أن بعضهم من أصل إيراني أو أكثريتهم ، وتدعي أنهم إرهابيون ومرتبطون بالسياسة الأمريكية . فهل سمعت أن هناك معتقلين اعتقلوا في أي مكان في العالم وقيل إنهم سنة ، أو قيل إنهم مسيحيون أو قيل أي شيء ؟ إنهم يقولون هذه الصفة من أجل تعميق التشويه لهذا الخط الأصيل ، حتى صار بعضنا في الداخل يحاول أن يهاجم التيار الإسلامي انفعالا بالإعلام الغربي الذي يتهم هذه الدائرة الإسلامية الشيعية ببعض الأشياء ، فيقولون لقد شوهوا سمعتنا .

نحن نقول لهؤلاء الذين يطرحون ذلك ومن قال لكم بأن هذا الكلام يلمع صورتكم وسمعتكم . (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم )) – البقرة : 120 – لن يرضى عنك المستكبرون حتى تعيش تحت أقدامهم ، وإلا فأنت مجرم حتى تثبت براءتك ، ولا يسمح لك أن تثبت براءتك ، المهم ثلاث وثلاثون حاجاً حُكم على ستة عشر منهم بالإعدام ، وأعدموا بقطع الرؤوس بالسيف ، وحُكم على الباقين بأحكام متفاوتة بين الجلد والسجن ، لأنهم " أدخلوا إلى الحجاز متفجرات من الكويت وفجروها فروعوا حجاج بيت الله الحرام ، وأساؤوا إلى قداسة مكة ، وقتلوا حاجا باكستانيا وجرحوا ستة عشر ، وخلخلوا بعض الدور ، ولذلك اصدر قضاة الشرع حكم الله تعالى فيهم " هذه خلاصة ما جاءت به وكالات الأنباء . نحن نريد أن نعلق على المسألة بعقل هادىء وبارد جداً ، لأننا لا نعتقد أن الحماسة والسباب والشتائم يمكن ان تبني حقاً أو تهدم باطلاً ، لكن نريد نقول : إننا عبرنا ولا نزال نعبر أننا ضد كل إساءة لبيت الله الحرام ، ونحن ضد كل من يسيء إلى أمن البيت ، والبلد ، والشهر ، لأنها من مقدساتنا الإسلامية ، ولا فرق عندنا في رفض ذلك بين ان يكون المسيء مسلماً شيعياً أو مسلما سنياً أو كافراً ، أو أي شخص آخر عربياً أو فارسياً أو أوروبياً ، لان مسألة بيت الله الحرام لا تحتمل الجدال ، ولا أزال أذكر أن الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه كان رد فعله على حركة الجهيمان التي كانت ضد النظام السعودي ، أنه رفض ذلك بشدة وأدانه في الوقت الذي نعرف موقف الإمام من النظام السعودي ، ومع ذلك قال إنه لا يجوز لنا كمسلمين تحويل بيت الله عز وجل إلى موقع من مواقع القتال تحت أي تأثير ، لأن ذلك يفقد صفته أنه آمن للناس ومثابة ، ويشوه موقعه وصورته ، أدان عملية الجهيمان بكل قوة وبكل صراحة مع أن الإدانة لا تنسجم والتعاطف مع الثائرين ، وأنا أعرف والكثيرون مثلي يعرفون أن الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه وبالنسبة إلى المجزرة التي قام بها النظام السعودي في مكة المكرمة ضد الحجاج الإيرانيين وغير الإيرانيين لم تكن آلامه وأحزانه منطلقة من تفاعله مع الضحايا الذين سقطوا بل كان ألمه الكبير من الإعتداء على أمن البلد الحرام .

إن هؤلاء قوم سفكوا الدم الحرام في البيت الحرام وفي الشهر الحرام ، كانت آلامه أنه لا يجوز أن تسفك الدماء في البيت الحرام ، ولهذا كانت التعليمات لكل المتظاهرين الذين يخرجون في مظاهرة البراءة من المشركين ، دقيقة وحاسمة وقوية : إذا ضربوكم فلا تضربوهم ، لا تعتدوا على أحد ، ولا تدافعوا عن أنفسكم ولو اعتدي عليكم .

ونحن نعرف – وبعض الحجاج شاهد ذلك أثناء المجزرة – أن بعض الحجاج الإيرانيين كانوا يخلصون بعض الشرطة السعوديين من أيدي حجاج آخرين على أساس أنهم مأمورون بألا يقوموا بأي عمل عنف ، لأن الإمام كان يرفض العنف من أساسه ، حتى أن الإيرانيين لم ينطلقوا إلا بعد أن أخذوا إذناً من السلطات . كل ذلك لأن الإمام يؤمن بأن صيانة أمن المسجد الحرام والبلد الحرام وقداسته أمر أساسي في الإسلام وفي الممارسات الإسلامية .

من هنا فنحن نشجب كل من يسيء إلى بيت الله الحرام ، هذه مسألة محسومة عندنا ولا يستطيع أحد أن يزايد علينا وعلى علمائنا في هذه المسألة ، لأنها مسألة إسلامية أساسية قرآنية . وهناك نقطة ثانية : إن معلوماتنا الحقيقية تؤكد أن هؤلاء الناس الذين اعتقلوا لم يثبت عليهم أي شيء ، ونحن نملك معلومات من عمق بعض القنوات في الكويت أنه لم يثبت عليهم أي شيء من ذلك ، بل كل ما هناك أنهم أقاموا في حملتهم أربعين الإمام الخميني قدس سره الشريف ، وأن هناك صوراً للإمام ، وربما كانت هناك بعض البيانات ، والخاصة بالمناسبة .

تشويه الحقائق
هذا سر " جريمتهم " وقد كانت السلطات هناك تريد كبش فداء حتى تستطيع أن تعلن انها استطاعت أن تضبط الذين يسئون إلى أمن الحجيج . وهناك أيضاً حسابات سياسية كويتية سعودية ، لأن الكويت استعجلت فأرسلت من يعزي بالإمام وحاولت أن تحسن علاقاتها بإيران مبكراً قبل أن تتحسن علاقات السعودية بإيران . هناك أمور معقدة وهناك أيضا عمل يراد به تشويه صورة إيران في نظر المسلمين ، ويبدو أن هناك جهات مخابراتية داخلية أو خارجية ، هي التي رتبت هذا التفجير ، ويحاول بعض الناس أن يدعم هذا الرأي بعدة شواهد لسنا في مجال تعدادها الآن .

إن قناعاتنا من حيث ما نملك من قنوات ومن وسائل للمعرفة ، ولا ندعي أننا نملك معلومات معصومة في هذا المجال ، لكننا نرجح هذا ترجيحاً كبيراً ، إن هؤلاء الحجاج ليسوا من الذين يقومون بهذا العمل ، ولا سيما أن تعليمات الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه كانت واضحة أنه لا يجوز أن يروع حجاج بيت الله الحرام بأية وسيلة . وتحت أي اعتبار .

لا شرعية لأحكام النظام السعودي
ونحن لا نريد أن نناقش الأحكام السعودية حتى يقولوا لنا إنكم تناقشونها من بعيد ، لأن القضاة هناك يملكون الأدلة ، ولا سيما وأن بعض المتهمين اعترفوا بالقيام بعملية التفجير صراحة على شاشات التلفزيون ، ونحنت نعرف قيمة اعترافات التلفزيون والضغوط التي تفرض للحصول على الإعترافات ، لكن نريد أن نقول إن القضاء السعودي الوهابي ليس هو الجهة الصالحة لإصداء أي حكم في قضية يكون المتهمون فيها من المسلمين الشيعة ، لان القضاة السعوديين يملكون رأيا فقهيا منطلقاً من نظرتهم إلى التشيع وإلى المسلمين الشيعة ، فهم يرون التشيع خطاً من اليهودية أو المجوسية ، ويرون أن المسلمين الشيعة مشركون كفرة تستباح دماؤهم وأموالهم وأعراضهم من دون أي حاجة إلى أية جريمة ، هذا رأيهم الفقهي .

وعلى هذا الأساس فهم لا يحتاجون في إصدار الحكم بإعدام أي مسلم شيعي إلى مبرر شرعي ، إلا أنه مسلم شيعي ، لأن معنى أن تكون مسلما شيعيا أنك مشرك ، ولا حرمة لدم المشرك ، وإذا كانوا يسمحون للمسلمين الشيعة بالحج فهي مسألة سياسية ، وفي هذا المجال لا نكشف سراً في هذا لأن كتبهم تؤكد ذلك ، والمفتي الكبير عندهم صرح في أكثر من مرة أن هؤلاء مشركون كفرة ولا يجوز تزويجهم لأنه لا يجوز أن تزوج مسلمة بكافر ، ولا يجوز أن يتزوج مسلم بكافرة ، إلا أن تكون كتابية ، والشيعة ليسوا من أهل الكتاب .

لذلك إذا كان القضاة يملكون رأياً فقهياً على هذا الشكل ، فكيف يمكن ان نأمنهم على دماء هؤلاء المتهمين ، فهم يجدون المبرر الشرعي لإعدامهم من خلال رأيهم الفقهي الذي لا يحتاج فيه إلى مبرر .

لهذا فإننا نسجل قلقنا على كل المسلمين الشيعة الذين يعيشون داخل هذا النظام الذي يتحكم في أحكامه الشرعية فئة من القضاة الوهابيين الذين يحملون هذا التفكير الفقهي عن المسلمين الشيعة .

من كتاب : الجمعة .. منبر وحراب