عشرون درساً رائعاً في قيام عاشوراء الحسين ع

--------

 

 

عاشوراء في مرآة التاريخ

مقدمة المؤلف

آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي

هذه الحلقة الثانية من كتاب (وارث الأنبياء (عليهم السلام)) تحدثت فيها عن (ثقافة عاشوراء)، وهي ثقافة (الصراع) و (التحدّي) و (العمل).

ونحن اليوم في ساحة مواجهة وصراع وتحدّي.

وهذه الثقافة التي ورثناها من الحسين (عليه السلام)، والتي ورثها الحسين (عليه السلام) من الأنبياء (عليهم السلام)،هي من أهم مايجب أن نُقدّمه لشبابنا في هذه الساحة.

فإنّ ثقافة الصراع والمواجهة من أهم أسباب مقاومة (الفئة القليلة، المستضعفة للفئة المستكبرة والظالمة، ومن دون هذه الثقافة لا نتمكن أن نحقّق أهداف رسالة الله في هذه المعركة الضارية بين التوحيد والشرك.

وهذه الثقافة نجدها في القرآن، وفي يوم عاشوراء.

ويوم عاشوراء حافل بثقافة المواجهة والتحدّي والمقاومة والصبر، وتجسيد لما في القرآن من وعي وثقافة في هذا

الشان وفي (رحاب عـاشوراء) نجد نحن الكثير ممـا نحتـاجه من وعـي المعركة والمواجهة.

ويوم عاشوراء مرآة صافية للتاريخ، نرى من خلال هذه المرآة صراع الحقّ والباطل، ومقاومة الحقّ واندحار الباطل، وقيم الحقّ وسقوط
الباطل، وسـنن الله في هذا الصـراع.

ولا بد أن يتناول (المنبر الحسيني) المعاصر هذه الدروس التي نستوحيها من يوم عاشوراء، بصورة تحليلية دقيقة تتطابق مع حياتنا السياسية المعاصرة، وصراعنا السياسي والحضاري.

وهذه المقالات التي يجمعها هذا الكتاب، محاولة بهذا الصدد. أسأل الله تعالى أن ينفع به المنبر الحسيني الذي لا يزال سراجاً لجمهورنا، ونبراساً لهم في صراعهم مع الباطل، ورفضهم لسلطان الظلم.

محمّد مهـدي الآصفي

قـم المقدسـة

1 رجب 1419 هـ . ق

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

عاشوراء في مرآة التاريخ

 

عاشوراء في وعي الجمهور ووعي النخبة

فيما يلي نحاول أن نقف وقفة تأمل في رحاب يوم عاشوراء ونبحث عن العناصر والقيم والآفاق الواسعة لهذا اليوم العجيب، هذه الساعات القليلة والمعدودة من يوم العاشر من محرم تنطوي على آفاق واسعة جداً وعلى معاني وقيم تستحق أن يتوقف الإنسان عندها طويلاً ويتأمل فيها كثيراً.

هذه الآفاق لم تلق بعد العناية الكافية من قبل الباحثين والمفكرين الذين أَوْلوا (عاشوراء) إهتمامهم رغم كثرة الدراسات والأبحاث والجهود الفكرية التي تصب في الأحداث التي جرت على أرض كربلاء يوم العاشر من محرم من سنة 61 هـ .ق.

وانني لا أشك أن وعي الجمهور لعاشوراء وعمقه وآفاقه أكثر بكثير من وعي المفكرين الذين تناولوا هذا اليوم العجيب من التاريخ بالدراسة والبحث.

إن الذي يدركه جمهور الناس بوعيه الفطري شيء أعمق بكثير مما يتلقاه الباحثون والمفكرون من هذا اليوم ولو أمعنا النظر في وعي الجمهور ليوم عاشوراء، وجدنا أن الجمهور يسبق الباحثين والمفكرين في وعي هذا اليوم وآفاقه الواسعة وما ينطوي عليه من القيم والمفاهيم.

وأنا من الذين يثقون بوعي الجمهور المؤمن وحسّه المرهف الدقيق في التشخيص والتقييم. واُعارض الذين ينتقصون من وعي الجمهور المؤمن وفهمه وتشخيصه. فالجمهور يملك حساً مرهفاً ووعياً فطرياً وبصيرةً نافذة ـ في حالات السلامة والصحوة ـ لا يملكه اُولئك الذين يتتبعون الأحداث من خلال التأملات الفكرية والدراسات العلمية.

وهذا الحس  الفطري المرهف يجعل الجمهور سبّاقاً إلى درك ووعي هذه الآفاق الربانية في حياة الإنسان. وكثيراً ما يتفق أن الباحثين والمفكرين يتتبعون خُطى الجمهور ويقتفون أثره في الوعي والتفسير والتشخيص. ومع ذلك فإن الوعي الفطري للجمهور يبقى محتفظاً لنفسه بقدرة كبيرة جدّاً على التشخيص، والتقسيم، ونفاذ البصيرة تقصر عنه أفكار وتفسيرات الباحثين والمفكرين.

وهذا هو ما يتراءى لي فعلاً في (عاشوراء). فكلما يمعن الإنسان النظر في التعاطف الوجداني الكبير من قبل جماهير المسلمين مع حادث الطف في يوم عاشوراء، وقياس ذلك إلى التفسير والتقييم العلمي المطروح على الصعيد الفكري... يزداد إيماناً بأن الجمهور كان أقدر على استيعاب الآفاق الواسعة لهذا اليوم من الباحثين والمفكرين الذين تناولوا هذا الموضوع الخطير بالدراسة والبحث.

ويبدو أن الحس الفطري لدى جمهور المؤمنين، أسرع إلى فهم ووعي الحقائق من اُولئك الباحثين الذين يعتمدون (عصا) التفسير والتحليل العلمي بالوسائل العلمية المعروفة، ويرى الجمهور في حالة سلامة الفطرة بنور الله ما لايراه غيره.

وهذا ما نراه فعلاً من حيويّة (عاشوراء) في وجدان جمهور المسلمين وعواطفهم، وتفاعل الجمهور الواسع والعميق مع عاشوراء خلال هذه الفترة الطويلة والتي تزيد على ثلاثة عشر قرن من الزمان وعلى هذه المساحة الواسعة من الأرض وهذا أمر فوق العادة بالتأكيد... ولا ينبغي أن نمرَّ عليه مروراً سريعاً من دون وقفة تأمل وتفكير.

ولا نعرف نحن إلى الآن حدثاً يستقطب عواطف جماهير المسلمين بهذه الصورة من القوّة والفاعلية كعاشوراء ولا نعرف أمراً في حياة المسلمين يستقطب الجماهير بهذه الصورة الواسعة والقوية إلاّ الحج...

وقد روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال : (إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً) ([1]).

 

موقف السلاطين والحكّام من عاشوراء

ولأمر ما كان يحسّ السلاطين والملوك ان في مظاهر الحزن والحداد على الإمام الشهيد شيئاً يضرهم ويسيء إلى سلطانهم وملكهم، وكانوا يواجهون الجمهور الحسيني بالجفاء والإنكار وأحياناً بالإرهاب والمطاردة تماماً كما كان الجمهور يشعر أن في قضية الحسين (عليه السلام) شيئاً يرتبط بمصيره ومصير الإسلام... وفي تاريخنا منذ العصر الأموي وعبر العصر العباسي إلى اليوم الكثير من الأمثلة على تنكّر السلاطين وامتعاضهم من إقبال الجمهور على زيارة الحسين والتعاطف مع قضية الحسين حتّى بلغ الأمر أن هارون الرشيد أمر بهدم القبر
الشريف وكربه ([2]) كما أمر المتوكل العباسي بهدم القبر وما حوله من المنازل والدور وأن يبذر ويسقي موضع القبر ويمنع الناس من الزيارة ([3])... ومع كل هذه الضغوط السياسية والإرهاب الذي كان يمارسه السلاطين بشأن قضية الحسين وعاشوراء، فإن عاشوراء كانت تتفاعل ولاتزال مع عواطف الجماهير ومشاعرهم في حركة تصاعدية.

وقد وضع علماء البلاط الاُموي أخباراً وأحاديث كثيرة في يوم عاشوراء، وأنه يوم بركة (ليعدل الناس كما يقول الإمام الصادق (عليه السلام) من الجزع والبكاء والمصيبة والحزن في هذا اليوم إلى الفرح والسرور والتبرك) وقد بذل حكّام بني اُمية لذلك الجوائز والهدايا ([4]).

ومع كل هذه الضغوط السياسية بشأن هذا اليوم وبشأن قضية الطف فقد بقت (عاشوراء) تتفاعل مع عواطف الجماهير ومشاعرهم في حركة تصاعدية يستلمها جيل من جيل، وتنتقل من جيل إلى جيل بنفس الحيوية والقوّة وتضيف إليها الأجيال المقبلة الكثير من عواطفها ومشاعرها وأحاسيسها.

ولا أكاد أتصور أن هذا التعاطف العميق والواسع من قبل جماهير المسلمين في رقعة واسعة من الأرض وعبر تاريخ طويل تتكون وتستمر وتشق طريقها عبر مضايقات الحكّام والسلاطين... من دون أن يكون الجمهور قد وجد ـ بوعيه الفطري ـ في هذه الساعات القليلة من يوم عاشوراء من الآفاق الواسعة، والصور، والمعاني، والقيم المخبوءة ما لم يتمكن من إلتقاطه وتسجيله ورسمه أقلام الباحثين والمفكرين.

فلا يسعنا أن نفهم مثل هذا التعاطف الجماهيري الواسع مع عاشوراء دون أن نقبل أن الجمهور قد تمكن أن يرى في هذا اليوم ـ بحسّه الفطري ـ ما لم تتمكن الدراسات العلمية أن تسجله وترسمه في هذا اليوم. والحجم المطروح لعاشوراء من قبل الباحثين والعلماء لايناسب بالتأكيد هذا التعاطف والتفاعل الواسع من قبل الجماهير. وهذا هو الذي يدعو إلى القول بأن الجمهور له دور السبق في إكتشاف آفاق (عاشوراء). والباحثون الذين عملوا في تحليل وتفسير أحداث هذا اليوم كانوا يتحركون من وراء الجمهور، ويضعون خُطاهم في التحليل والتفسير موضع خطى الجمهور.

وليس في هذا ضير، إذا كانت أقلام الباحثين قادرة على متابعة وملاحقة الجمهور في وعيه ودركه للقضية الحسينية، وإنّما البأس أن تتوقف أقلام الباحثين وأفكارهم عن إكتشاف وتسجيل ما اكتشفه الجمهور من الآفاق الرحبة لعاشوراء بحسّه الفطري.

 

عاشوراء مرآة للتاريخ

من خلال هذا اليوم وساعاته القليلة الحاشدة بالأحداث الكبيرة... يقرأ الناس التاريخ البشري كلّه، ومن خلال هذا اليوم نقرأ سنن الله في التاريخ، ونفهم كيف تسقط اُمّة، ويستدرجها الله تعالى، ويعذبها، ويهلكها، وكيف يستبدلها باُمة اُخرى. وكيف تسمو اُمّة في التاريخ، وتسقط اُخرى، وكيف يجري الله قانون الإبتلاء على اُمّة فَيُضيّقُ عليها لتنمو وتبلغ رشدها، وكيف يستدرج اُمّة اُخرى ليحل عليها العذاب والنقمة، وكيف يكون استبدال هذا بذاك.

(عاشوراء) مرآة صافية للتاريخ تعكس التاريخ بصورة صادقة وأمينة... ومن خلال قراءة هذا اليوم يستطيع أن يقرأ الناس حركة التاريخ كلها منذ خلق الله تعالى الإنسان على وجه الأرض إلى اليوم.

ذلك أن التاريخ هو مجموعة (السنن الإلهية) في حركة الإنسان وصعوده وسقوطه. ولا يجري في التاريخ شيء بصورة اعتباطية وعفوية، وإنّما يجري كل شيء بموجب سنن وقوانين دقيقة وبالغة في الدقة، كما يجري التغيير في الفيزياء والكيمياء والميكانيك تبعاً لمجموعة من القوانين والسنن الخاصّة بهذه الحقول ([5]).

والذي يفهم هذه القوانين والسنن بشكل دقيق يفهم التاريخ وحركته وما يجري في هذه الحركة من هبوط وصعود ومن هلاك واستبدال للاُمم.

والصراع بين الحقّ والباطل وبين جند الله وجند الشيطان هو المرآة التي تعكس هذه السنن والقوانين بصورة دقيقة وكاشفة.

ذلك أن (الصراع بين الحقّ والباطل وحزب الله وحزب الشيطان) هو العامل الأكبر تأثيراً في حركة التاريخ، بخلاف النظرية الماركسيّة التي تعتبر (الصراع الطبقي) هو العامل المحرّك للتاريخ ([6]). والتاريخ يتلخص في معظم جوانبه في هذا الصراع الذي يقود طرفاً منه الأنبياء والمرسلون ويقود الطرف الآخر أئمة الكفر.

والصراع الطبقي حقيقة قائمة في ساحة التاريخ لا ننفيها ولكنه لا يعتبر العمود الفقري للتاريخ، وإنّما يحتل جانباً من جوانب حركة التاريخ، ومهما كانت قيمة هذه المساحة التي يحتلها الصراع الطبقي في تاريخ الإنسان فلن يعتبر العمود الفقري للتاريخ، ولسنا الآن بصدد إثبات هذه الحقيقة القرآنية. فالتاريخ ـ إذن ـ يتلخص في معظم جوانبه في هذا الصراع التاريخي الذي يقود طرفاً منه الأنبياء والمرسلون والمؤمنون، ويقود الطرف الآخر الطاغوت وأولياءه.

وفي هذا الصراع التاريخي يبرز أهم خصائص حركة التاريخ، وتتكشف للإنسان جوانب واسعة من التاريخ لايكاد يراها إلاّ في هذا الجو من الصراع بين أولياء الله وأولياء الشيطان.

ذلك أن الصراع يستخرج بصورة قوية خصائص كلّ اُمّة وكل فئة من الناس ويبرزها على حقيقتها، ويفرز الناس إلى فئتين متمايزتين فقد تنزع الاُمّة المؤمنة في حالات اليسر والرفاه إلى الدعة والترف وإيثار العافية في حياتها وتنسى ذكر الله عزّوجلّ ـ فاذا حل بها الإبتلاء نزعت إلى الله نزوعاً قوياً وقطعت ما بينها وبين هذه الدنيا من أسباب ـ وذلك ـ قوله تعالى : (وما أرسلنا في قرية من نبيّ  إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضّراء لعلّهم يضّرّعون([7]) والعكس أيضاً صحيح، فقد يتمكن المنافقون والمتخلفون وأولياء الشيطان من إخفاء حقيقتهم، وما تستبطن نفوسهم من حبّ الدنيا والإنقياد للأهواء والولاء للطاغوت والخوف والضعف في ساعات اليسر والأمن... فإذا جدّ الجدّ ووقعت المواجهة والصدام طفح على حياتهم ما كانوا يستبطنونه من خوف ونفاق.

يقول تعالى : (قد يعلمُ الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلُمَّ إلينا ولا يأتُون البأس إلاّ قليلاً* أشِحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوفُ سَلَقُوكم بألسنة حِداد أشِحّةً على الخَير اُولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً([8]).

فيكشف الصراع الخصائص الحقيقية لكلّ اُمّة من الناس، ويفرز الناس إلى محورين متميزين ويعكس التناقضات القائمة في حياة الناس، ويعكس السنن الإلهية التي تجري في حياة الناس وحركتهم وصعودهم وهبوطهم وسقوطهم واستبدالهم باُمم اُخرى... فإن هذه السنن جميعاً ـ أو في معظمها ـ تجري في جو الصراع بين الحقّ والباطل بقوّة ووضوح أكثر من أية حالة اُخرى.

ولنقرأ هذه الآيات المباركات من سورة الأحزاب لنجد كيف تهتز النفوس الضعيفة في القتال، وكيف يجري فيها الزلزال وكيف تزيغ الأبصار وتنقلب القلوب المؤمنة التي لم يستقر فيها الإيمان إلى الظن بالله. وكيف يكشف القتال المنافقين، ويلقي عليهم الضوء، بعد أن كانوا يخفون أنفسهم في صفوف المسلمين، ... ومع ذلك كيف تتدخل المشيئة الإلهية لإسناد ودعم القلّة المؤمنة الثابتة في هذه الساعات العسرة والحرجة.

(يأيّها الذين آمنوا أذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملُون بصيراً * اذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنُّون بالله الظنونا * هُنالك ابتُلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام
لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبيّ يقولون إنّ بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلاّ فِراراً([9]).

ترى كيف يكشف القتال والصراع المنافقين. وكيف يدخل النفوس في ساعة القتال الظن والريب، وكيف يهتز المؤمنون ـ الضعاف ـ من الأعماق. وكيف يتحول دور المنافقين في ساعة واحدة إلى التهريج والتثبيط.

وفي مقابل هؤلاء، الصادقون من المؤمنين الذين تطمئن نفوسهم إلى الله، ويثبتون للأعاصير والعواطف ولا يدخل نفوسهم شك أو ريب، مهما اكفهرت الأجواء ومهما ضاقت الاحوال.

(ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ومازادهم إلاّ إيماناً وتسليماً * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً * ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويُعذِب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم...([10]).

وتتدخل المشيئة الإلهية، ويؤيد المؤمنين بجنود لم يروها :

(... اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها...([11]).

ويردّ الله الذين كفروا بغيظهم، ويقذف في قلوبهم الخوف، ويورث المؤمنين أرضهم وديارهم :

(وردَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله
قوياً عزيزاً * وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً * وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطؤها وكان الله على كلّ شيء قديراً([12]).

كل ذلك يتم في أجواء الصراع والمواجهة والقتال. تهتز النفوس، ويصيبها الزلزال، ويكشف النفاق عن نفسه، ويجد المنافقون فرصة للتهريج والتثبيط. وتثبت النفوس المؤمنة. وتطمئن إلى وعد الله، وينزل الله تأييده ونصره على المؤمنين، ويقذف في قلوب الذين كفروا الرعب والخوف، ويهلكهم بأيدي المؤمنين، ويورث المؤمنين أرضهم وديارهم... كلّ هذه التحولات، والإنقلابات، والسنن، والقوانين، والصعود، والسقوط، والثبات، والإنهيار يحدث في ساحات المواجهة والقتال... وكلّ هذه الحركة القوية التاريخية والسنن والقوانين الإلهية، والفرز، والتفريق، والكشف يتم في جوّ الصراع.

إذن، الصراع الحضاري بين الحقّ والباطل يكاد أن يكون نموذجاً ممثلاً لمساحة التاريخ وللسنن الإلهية الجارية في هذه المساحة بشكل كامل أو غالب. وما يجده الإنسان في إمتداد التاريخ الطويل وعرضه العريض. يجده بصورة مختزلة ومصغرة في الصراعات الحضارية الحقيقية التي يقف جند الله في مواجهة جند الشيطان.

... تماماً كما أن قدحاً من ماء المحيط يستطيع أن يعكس لنا بصورة مصغرة ومختزلة معظم الخصائص الموجودة في مياه المحيطات الكبيرة من التبخير والتجميد والتموّج والتّحرك وما يرسب فيه من الأجسام وما يعوم فيه، وقانون المدّ والجزر والعناصر التي تشكل الماء وما إلى ذلك من الخصائص الكيمياوية والفيزياوية لمياه المحيطات، والمطالعة الدقيقة لقدح من الماء تغني عن مطالعة المحيطات الواسعة في معظم الخصائص الكيمياوية والفيزياوية لمياه البحار.

وما يصح عن قانون الاختزال والتمثيل في الفيزياء والكيمياء يصحّ في التاريخ والمجتمع.

فإنّ شريحة ممثّلة من المكان والزمان يمكن أن تعكس معظم الخصائص والسنن القائمة في التاريخ والمجتمع.

وإنّما نقول شريحة زمانية ومكانية ممثّلة، لأنّ من الشرائح الزمانية والمكانية والاجتماعية ما لا يحمل هذه الصفة التمثيلية. فليس كلّ الشرائح الفيزياوية الكيمياوية والاجتماعية تحمل هذه القوّة التمثيلية التي تستطيع أن تعكس بها الخصائص الموجودة في كلّ المساحة التي إقتطفنا منها هذه الشريحة... وهذه هي الشرائح غير الممثلة.

أمّا الشريحة الممثلة من الزمان والمكان والتاريخ والمجتمع فإنّها تحمل هذه القوّة التمثيلية... وهي بالذات ما نقصده في هذا الموضع.

ولا شك أنّ الصراع الحضاري بين جند الله والطاغوت من أفضل الشرائح (الزمكانية) التي تختزل وتمثل حركة التاريخ، وتعكس هذه الحركة بقوانينها وسننها الإلهية.

و(عاشوراء)  نموذج نادر من الصراع الحضاري الذي تتجسد فيها سنن التاريخ بشكل قوي ومركّز، وعيّنة ممثّلة لمساحة التاريخ، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ومرآة صافية لحركة التاريخ... يجد فيها الإنسان الصراع القديم بين جند الله وجند الشيطان، وأسباب وموجبات هذا الصراع، وقِيَم كلّ من طرفي المواجهة، وأساليبهم في هذا الصراع، وحتمية هذا الصراع، ومعاناة طرفي الصراع في هذه المعركة التاريخية، وما يستتبع هذا الصراع من سقوط، وثبات وولادة وهلاك، واستبدال، واستدراج، وتساقط العناصر الضعيفة، وصعود، وتسامي العناصر القوية المؤمنة، ونصر الله للفئة القليلة المؤمنة، وهلاك جند الشيطان... كلّ ذلك ينعكس في مرآة عاشوراء... في هذه الساعات القليلة الحافلة بالأحداث الكبيرة من يوم عاشوراء... والجمهور من المؤمنين يقرأون كلّ ذلك وغير ذلك من قوانين وسنن التاريخ والمجتمع والصراع في مرآة عاشوراء... بل ماذا أقول. أنّ جمهور المؤمنين يرون أنفسهم في مرآة عاشوراء فإنّ الإنسان المؤمن ليس نسيج وحده، وليس نبتة طفيلية مجتثة من فوق الأرض ما لها من قرار، وإنّما هو حصيلة هذا الصراع التاريخي بين الحقّ والباطل، وكلّ هذا الصراع وما استتبعه من معاناة، وآلام، ونصر، وتأييد، وثبات، وصبر قد ساهم بصورة مرئية أو غير مرئية في ثباته وتكوين شخصيته، وعاشوراء إمتداد لكلّ هذا الصراع، وتكريس لهذه المعركة التاريخية، ومرآة لهذا التاريخ الحافل بالصراع والمعاناة، والمؤمنون يرون أنفسهم في مرآة عاشوراء رؤية صافية صادقة وواضحة ولذلك يجذبهم عاشوراء، ويشعرون بأنهم مدينون لعاشوراء، وإنّ عاشوراء تمثلهم وتساهم مساهمة فعالة في تكوينهم، وتشكل المرآة الصافية التي تعكس وجودهم وكيانهم.

وهذا هو ما نعنيه عندما نقول إن عاشوراء نافذة على التاريخ، يستطيع الجمهور بوعيه الفطري البسيط أن يطل على التاريخ من خلال هذه الساعات القليلة من يوم عاشوراء.

أرأيت كيف تمثّل صفحة الخارطة الجغرافية، وتعكس إقليماً واسعاً من مساحة الأرض... كذلك عاشوراء تمثل مساحة واسعة من التاريخ.

ونحن، لكي نستوعب عيّنة ما استيعاباً كاملاً بصورة علمية، نقوم عادةً بواحد من إثنين، حسب إختلاف العيّنة. أمّا أن نكبّر العيّنة تحت المجهر حتّى يمكن إكتشاف وفهم الجزئيات الدقيقة منها التي لا تخضع للعين المجرّدة، أو نصغّر المساحة مع الاحتفاظ بكلّ مقوماتها وأركانها ونختزلها حتّى يمكن استيعاب المساحة الواسعة بنظرة واحدة وفي دائرة صغيرة.

و(عاشوراء) من النوع الثاني. اختزال شديد لحركة التاريخ وما في هذه الحركة من السنن والقوانين. وهذا الإختزال يتصف بالتمثيل الدقيق لمساحة التاريخ الكبيرة وسننها وقوانينها.

ذلك إنّ (عاشوراء) من بين نماذج الصراع بين أولياء الله وأولياء الطاغوت نموذج نادر من الصراع الحقيقي الحاسم في التاريخ.

ففي هذه المعركة التاريخية الحاسمة يتقرر مصير الإسلام، وبالتالي مصير رسالات الله تعالى، الذي كاد أن يسقط في أيدي السلاطين الرسميين الذين كانوا يحكمون باسم الإسلام. وهذه المعركة وحدها إستطاعت أن تضع حدّاً للسلطة الزمنية الحاكمة وتفصل بين (الإسلام) وما كان في قصور الخلفاء وأجهزتهم، من لهو وسقوط في لذات الحياة الدنيا، ومن ظلم واضطهاد وإعتداء وتجاوز لحدود الله تعالى وأحكامه.

في (عاشوراء) يتقابل صفوة مؤمنة خالصة، وعلى رأسهم ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) والصفوة الصافية من أهل بيته وأصحابه، مع رؤوس الإجرام والنفاق. وفي هذا التقابل والمواجهة لا أدري ماذا يحسّ الإنسان من بون شاسع وفاصل كبير بين نمطين من الناس، وبين هذا السقوط إلى الحضيض والصعود إلى القمة... بين النور والظلمة.

يشعر الإنسان بوجود نمطين مختلفين تماماً من الناس، وبالفاصل الكبير الشاسع الذي يفصل بينهما في الأهداف والقيم والاخلاق والتربية والقرب والبعد من الله، ثم يجد هذين النمطين من الإنسان في مواجهة حقيقية حاسمة في ساحة الطف.

يدعو أحدهما إلى الله تعالى، وإلى إقامة الصلاة وإلى العودة إلى الإسلام، وإلى الأخذ بأسباب العبودية ويدعو الآخر إلى الطاغوت والإنقياد له. يطلب أحدهما وجه الله ومرضاته في هذه الحركة والصراع ويقول :

إن كان دين محمّد لم يستقم *** إلاّ بقتلي يا سيوف خذيني

ويقول :

والله إن قطعتم يميني *** إني اُحامي أبداً عن ديني

ويطلب الآخر سقط المتاع في الحياة الدنيا ويقول :

إملأ ركابي فضة أو ذهبا *** إني قتلت السيد المهذبا

يجسّد أحدهما في سلوكه وقتاله أسمى القيم وأنبلها حتّى في القتال، ويجسّد الطرف الآخر أحط ألوان السلوك في إبتغاء الدنيا وفي الإجرام.

إنّ التقابل العجيب بين هاتين الفئتين اللّتين تقاتلا في كربلاء وبين أهدافهما يعتبر واحداً من أغرب نماذج الصراع بين الحقّ والباطل في التاريخ.

لقد كان أحد الطرفين حقّاً إمتداداً لإبراهيم وموسى وعيسى ورسول الله ويحمل معه ميراث هؤلاء الصديقين وهمومهم وطموحاتهم، ويُعَدُّ الآخر حقّاً إمتداداً لقابيل وفرعون ونمرود والقتلة والمجرمين في التاريخ.

وعلى نتائج هذا الصراع يتوقف مصير هذا الخط أو ذاك. لقد كان أحد الخطّين يستجمع كلّ قِيَّم وعطاء وتضحيات الأنبياء، والخطّ الآخر يستجمع كلّ ألوان الإنحطاط والسقوط الذي يشهده الناس في التاريخ لهذا الخطّ.

لقد كان مشهد (عاشوراء) مشهداً غريباً في نوعه، ولم يكن يلتبس الأمر في تمييز الحقّ والباطل وتشخيصهما على أحد بين هذين المعسكرين، فقد بان الحقّ، وبان الباطل، وامتاز أمرهما، ولم يبق موضع للإلتباس لأحد.

فمن دخل مع هؤلاء دخل على بيّنة وبصيرة، ما بعدها بيّنة وبصيرة، ومَن إنساق من وراء اُولئك، كان ممن أضلّه الله على علم.

فقد كان يوم عاشوراء يوماً من أيّام الفرقان في التاريخ حقّاً، إفترق فيه الحقّ والباطل، ولم يعد لأحد فيها موضع للشك واللبس.

 

كلّ أرض كربلاء وكلّ يوم عاشوراء

إذن عاشوراء مرآة لكلّ حركة التاريخ، وإمتداد للصراع القائم بين الحقّ والباطل في التاريخ.

والعكس أيضاً صحيح، فإنّ كلّ صراع في التاريخ بين الدعاة إلى الله وأولياء الطاغوت نسخة من عاشوراء على درجات مختلفة من التمثيل وهذا هو معنى الكلمة المأثورة والدقيقة المعروفة : (كلّ أرض كربلاء وكلّ يوم عاشوراء).

ففي كلّ أرض وفي كلّ يوم صراع بين الحقّ والباطل بموجب قانون حتمية الصراع بين أولياء الله، وأولياء الطاغوت، ولا تخلو أرض من هذا الصراع، ولا يخلو يوم من أيّام التاريخ منه.

وكلّ صراع في هذه السلسلة الطويلة من الصراعات والحروب والقتال يعتبر نسخة من (كربلاء) ومن (عاشوراء)، على درجات مختلفة من التمثيل حسب سعة وعمق هذا الصراع، وأبعاده في حياة الإنسان.

فالزمان (:كلّ يوم) والمكان (: كلّ أرض) أكثر من وعائين لحضارة الإنسان... أنّهما وعاءان لحضارة الإنسان، ومقوّمان لها أيضاً، يتفاعلان مع الإنسان،
يمنحانه ويأخذان منه. والإنسان في تفاعل مستمر مع الزمان والمكان، يأخذ منهما ويمنحها ويؤثر فيهما ويتأثر بهما.

فالزمان والمكان ـ إذن ـ لايعتبران وعاءين لحضارة الإنسان فقط، بالمعنى المعروف للوعاء، الذي ليس لها أي تأثير فيما تحتويه. إن الزمان والمكان جزءان مقومان لحضارة الإنسان ويحملان شحنة وطاقة حضارية معينة في تاريخ الإنسان، وعندما نقول (كلّ أرض كربلاء وكلّ يوم عاشوراء) يعني أنّ الصراع جزء حتمي لايتجزأ من حضارة الإنسان.

وهذا الصراع يمتد زماناً ومكاناً مع حضارة الإنسان، وفي كلّ مراحله يعتبر نسخة ممثلة لكربلاء وعاشوراء على درجات مختلفة من التمثيل. فهذه ثلاثة اُصول وثلاثة قوانين :

1 ـ حتمية الصراع.

2 ـ إستمرارية الصراع على خطّي الزمان والمكان.

3 ـ تمثيل عاشوراء بدرجات مختلفة.

إذن عاشوراء مرآة للتاريخ والتاريخ مرآة لعاشوراء ومن خلال عاشوراء نُطِلُّ على حركة التاريخ، ومن خلال حركة التاريخ نطل على عاشوراء.

إنّ عاشوراء تصغير وإختزال شديد لمساحة التاريخ الكبرى، وحركة التاريخ الممتدة على بعدي الزمان والمكان، تكبير لعيّنة عاشوراء، وتمديد لها. ولو وضعنا هذه العيّنة (:عاشوراء) تحت المجهر شاهدنا حركة التاريخ، ولو إختزلنا حركة التاريخ وصغرناها بدرجة عالية جداً التقينا بعاشوراء.

إنّ (عاشوراء) ينبغي أن يدرس من خلال هذا الاُفق التاريخي الواسع، من خلال حركة التاريخ، وسنن الله في التاريخ، وسقوط الاُمم وصعودها، وصراع الحقّ والباطل الممتد في أعماق التاريخ، وفي ساحة التاريخ الكبرى... وأعتقد أن الجمهور يعي (عاشوراء) بمثل هذه الرؤية الشاملة من خلال وعيه الفطري البسيط، ومن خلال تفاعله الروحي والوجداني العميق مع عاشوراء... أمّا طريقة بعض الباحثين في دراسة عاشوراء... في إقتطاع هذا اليوم العجيب من مساحة التاريخ، ودراسته بمعزل عن مساحة التاريخ وحركة التاريخ الكبرى، وبتره عما قبله وبعده، وتكليس عاشوراء، وتعتيم هذه الرؤية النافذة التي تنفذ بنا من خلال عاشوراء إلى مساحة التاريخ الواسعة، فهو من الظلم لهذا اليوم وقيمته التاريخية. ولابدّ من الإعتراف بأنّ جمهور الناس أوعى لقيمة هذا اليوم من بعض الباحثين الذين تناولوا هذا اليوم بهذه الطريقة التجزيئية.

ويبلغ السذاجة ببعض الكتاب أن يتصور أنّ جذور معركة الطف تكمن في قضية اُرَينب وما تلف هذه القضية من ظروف. أو الخلاف والتنافس التاريخي بين (هاشم) و (اُمية).

إن عاشوراء أعمق بكثير من المستوى الذي يتناوله هؤلاء الكتّاب وأمثالهم.

 


([1]) مستدرك الوسائل 2 / 217.

([2]) تاريخ النياحة على الإمام الشهيد للسيد صالح الشهرستاني 2 / 12 نقلاً عن نزهة أهل
               
  الحرمين للسيد حسن الصدر الكاظمي 27.

([3]) الكامل لابن الاثير 7 / 55 في حوادث سنة 236هـ .

([4]) بحار الأنوار 44 / 270.

([5]) بالطريقة التي شرحناها في فصل المذهب التاريخي في الإسلام وبيّنا موضع إرادة الإنسان
               
  وإختياره في هذه الحركة في النظرية الإسلامية. من كتاب (في رحاب القرآن).

([6]) والفرق الآخر أن النظرية الماركسيّة تؤمن بالعامل الواحد في حركة التاريخ بينما النظرية
               
  الإسلامية لا تؤمن بنظرية توحيد العامل في حركة التاريخ.

([7]) الاعراف / 94.

([8]) الاحزاب / 18 ـ 19.

([9]) الاحزاب / 9 ـ 13.

([10]) الاحزاب / 22 ـ 24.

([11]) الأحزاب / 9.

([12]) الاحزاب / 25 ـ 27.

 

------------------

 

 

 

 

 

 

ثـأر الله

رؤية قرآنية للنصر والهزيمة

من المفاهيم العميقة الواردة في زيارة الحسين (عليه السلام) مفهوم «ثأر الله» وهذا المفهوم يفتح عليناً آفاقاً واسعة للتفكير والتأمل ويطرح علينا مسائل من صلب الرسالة والعمل والحركة والجهاد، وهي مسائل بالغة الحسّاسية والأهمية مما تواجهها اُمتنا اليوم، ولذلك فسوف نتوقف قليلاً عند هذه الكلمة لنتأمل معطياتها وإيحاءاتها.

 

الجذور اللغوية للثأر :

يقول ابن سيده  : «الثأر الطلب بالدم» ([1])، والثائر  : الطالب بالدم، وقيل الثأر طلب المكافأة بالجناية، والثائر  : الطالب بالمكافأة بالجناية والدم.

ومنه حديث محمّد بن مسلم يوم خيبر : «أنا له يا رسول الله الموتور الثائر» أي طالب الثأر، وهو طالب الدم ([2])، ولهذه الكلمة جذور تأريخية وأصل قرآني; فقد كان الدم يستثير أولياء المقتول وذويه للقصاص والإنتقام من القاتل، وهذه سنّة تأريخية قديمة، والعرب قبل الإسلام كانوا من أكثر الاُمم والشعوب إهتماماً بمسألة القصاص والإنتقام (الثأر)، وملاحقة المجرم وكانوا يعتقدون أنّ الرجل إذا قتل تمثلت روحه بشكل طير يقال له : «الهامة» ووقفت على قبره وصاحت «اسقوني» : أي اُسقوني من دم قاتلي، ولايزال كذلك حتّى يثأر أهل القتيل من قاتله، ومن المعيب على ذوي المقتول أن يتركوا القاتل ينعم بالحياة، دون أن يثأروا منه ويقتلوه; يقول السموأل في مفاخر قومه :

وما مات منا سيد حتف أنفه *** ولا طلّ منا حيث كان قتيل

أي لم يذهب دم قتيل منا هدراً دون أن نثأر له.

والعرب في الجاهلية كانوا يتجاوزون في الثأر الحدود المعقولة حتّى قتل (مهلهل) بأخيه كليب من بكر بن وائل مقتلة كبيرة وكاد يفني بكر بن وائل، حتّى جاء الإسلام وشرّع القصاص والمساواة والعدل في الأخذ بالثأر.

 

المعنى الاجتماعي للدم :

ولمسألة (الثأر) تأريخ ينفعنا أن نلمّ به في هذا العرض، فقد كان الدم في حياة العرب القبلية قبيل الإسلام مسألة إجتماعية تخص كرامة القبيلة كلها ضد القبيلة التي صدر العدوان منها كلّها; فإذا اعتدى فرد من قبيلة على فرد من قبيلة اُخرى لم يكن الدم يخص وليّ المقتول والقاتل فقط، وإنّما كانت القبيلة التي وقعت عليها الظُلامة هي صاحبة الدم; والقبيلة التي كان المعتدي منها هي التي تتحمل مسؤولية الدم، وليس شخص المعتدي فقط، وكان كلّ فرد من القبيلة الاُولى يعطي لنفسه الحقّ أن يثأر من كلّ فرد من القبيلة الثانية، وإنْ كان الثائر بعيداً عن المقتول والفرد الذي يقتل به لا علاقة له قريبة بالقاتل.

والسرّ في هذا الإهتمام والتعميم في مسألة الدم، أنّ القبيلة العربية كانت تعتبر الدم حقّاً للجميع، وعلى الجميع أن يعملوا لحماية دمائهم وللثأر من القاتل أو القبيلة التي تؤوي القاتل وتمنحه الحماية، فالدم للقبيلة وليس للفرد، والدفاع عن الدم يقع على القبيلة وليس مسألة فردية.

ولهذا التصوّر لمسألة الدم أصل صحيح في الإسلام في بعض الحدود، وإن كان الإسلام يختلف في أمر الدفاع عن الدم وحمايته والثأر من القاتل اختلافاً كبيراً عن قوانين الثأر في الجاهلية، فالدم مسألة تخص الجميع، ولا تخص المقتول فقط، يقول القرآن الكريم في التعقيب على أول عدوان وقع على يد قابيل ضد أخيه هابيل:

(ومن أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنّه مَن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً...) ([3]).

فالعدوان على شخص عدوان على الجميع أو كأنّه عدوان على الجميع.

إلاّ أنّ الإسلام هذّب قانون الثأر، ولم يسمح للجميع بالثأر وإنّما خصّ أولياء الدم بذلك، فإن لم يكن للمقتول ولي تولى ولي الأمر هذا الأمر، وذلك لئلاّ يكون الأمر فوضى، ولم يسمح مطلقاً بالقصاص والثأر من غير القاتل; يقول تعالى :

(...ومَن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يُسرف في القتل إنّه كان منصوراً([4]).

فجعل الله تعالى لولي الدم الذي اُريق بغير حقّ سلطاناً ينتقم من الظالم ويقتص منه، على أن لا يسرف في القتل ولا يتجاوز حدود الله تعالى; يقول تعالى :

(يا أيّها الذين آمنوا كُتب عليكم القصاص في القتلى الحُرّ بالحُرّ والعبد بالعبد والأُنثى بالأُنثى فمَن عُفى له من أخيه شيء فاتّباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) ([5])

فلكلّ دم اُريق بغير حقّ ـ إذن ـ ثأر، ولولي الدم أن يطالب بإنزال العقوبة على المعتدي مقابل الجريمة فيوكل الأمر إلى ولي الدم ليثأر للمقتول، وإن لم يكن للمقتول ولي فولي الأمر، لأن هذا الدم من حقّ الاُسرة، وولي الدم ينوب عن الاُسرة في الثأر، وإذا لم يوجد فولي الأمر يقوم بالثأر للاُسرة والقصاص من القاتل، وهذا كلّه يؤكد الصبغة الإجتماعية أو العائلية للدم، وحقّ الاُسرة في المطالبة بالثأر من خلال ولي الدم أو ولي الأمر.

 

الثأر في اُسرة التوحيد :

وعندما تكون إراقة دم من أجل قضية التوحيد والعبودية لله وتحكيم رسالة الله في الأرض فإنّ الأمر يختلف; فالدم هنا اُريق في قضية رسالية وليس في قضية شخصية، والأمر يتعلّق باُسرة التوحيد، ولا يتعلّق بالاُسرة العائلية، بمعناها الضيق.

واُسرة التوحيد بمجموعها ثائرة لهذا الدم، وليس ذوو الدم من الاُسرة الشخصية للمقتول بمعناها المحدود والضيق، وكما أن الظلامة تقع على كلّ أفراد اُسرة التوحيد، كذلك العدوان يصدر من اُسرة الشرك بأسرها وليس من فرد أو أفراد بخصوصهم ما دام يجمعهم الرضا بذلك، فإن الآمر بالعدوان والمنفّذ له، والذي يُعِدُّ له أسبابه ومقدماته، والمشاهد لساحة الظلم الراضي به. كلّ اُولئك يجمعهم الرضا بالظلم، وكلّ اُولئك مطالبون بهذا الدم : «لعن الله اُمّة قتلتك ولعن الله اُمّة ظلمتك ولعن الله اُمّة سمعت بذلك فرضيت به».

فالثأر ـ في مثل هذه القضية ـ لايخصّ الأيدي التي تلطخت بالجريمة مباشرة، وإنّما يعمّ كلّ الراضين بذلك، والناس يجمعهم ويفرقهم الحبّ والبغض والولاء والبراءة والرضا والسخط في مثل هذه الاُمور التي ترتبط بالعقيدة والجهاد.

والناس في هذا الأمر ينقسمون إلى شطرين وولاءين وعقيدتين، واُسرتين :

أحدهما : اُسرة (التوحيد).

والاُخرى : اُسرة (الشرك).

والدم الذي يراق من أجل قضية التوحيد دمٌ لايخصّ ذوي المقتول فقط، وإنّما يعمّ كلّ أعضاء هذه الاُسرة كما أنّ المطالبة بهذا الدم لا تتوقف عند القاتل والمعتدي فقط من اُسرة الشرك والجاهلية، وإنّما تعمّ كلّ أطراف العدوان من تلك الاُسرة : الآمر والمنفذ والمعد وحتّى المشاهد الراضي بذلك; فالجريمة إذن من اُسرة الشرك على اُسرة التوحيد، والثأر لاُسرة التوحيد من اُسرة الشرك.

وحقّ الثأر هنا لا يتحدد بعصر أو جيل، فما دامت الظُلامة باقية، وما دام هناك دمّ اُريق ظُلماً وعدواناً من اُسرة التوحيد، واُسرة الشرك تتبنى هذا العدوان وتدافع عنه وترضى به، فإن الثأر حقّ لهذه الاُسرة من اُسرة الشرك والجاهلية. وكلّ جيل من أجيال التوحيد لابدّ أن يطالب بالثأر ويسعى له ليرفع الظُلامة، والدم ـ وهو هنا دم الشهيد ـ لايفتأ يستصرخ الضمائر ويستثير الهمم في أعضاء الاُسرة للثأر، ولا يزال يغلي في ضمائر المؤمنين من كلّ جيل حتّى يثأروا له.

 

ثأر الله :

وإذا كان دم الشهيد يستصرخ كلّ الضمائر المؤمنة في كلّ الأجيال للثأر، وكانت مسؤولية دم الشهيد على عهدة كلّ عضو في هذه الاُسرة، ومن كلّ الأجيال حتّى يتم الثأر فإن ولي الدم هنا ليس من قبيل ولي الدم في الدماء التي تراق في القضايا الشخصية، فهناك ولي الدم الأب والجد وإذا فُقدا فولي الأمر، وهنا ـ في دم الشهيد ـ الذي يراق من أجل قضية توحيد الله وحاكميته تعالى فإن ولي الدم هو الله تعالى، وهو ولي اُسرة التوحيد كلّها : (الله ولي الذين آمنوا يُخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات اُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ([6]).

والله تعالى هو الذي يتولى الثأر لدم الشهيد ويضمن له أن يأخذ بثأره من بين سائر الدماء. وهذا هو معنى «ثأر الله» الوارد في زيارة وارث : أي أنّ الله تعالى هو ولي الدم والمتصدي للثأر للشهيد، وأنّ دم الشهيد ثأر الله، فإنّ الدم هنا لكل اُسرة التوحيد ولكل الأجيال، والله تعالى هو عميد هذه الاُسرة ووليها الذي يطالب بالثأر لدمها.

ومن هذا الباب نخاطب الحسين بن علي (عليهما السلام) في زيارة «وارث» فنقول : ( السلام عليك يا ثأر الله وابن ثأره).

وقد كان من عادة العرب قبل الإسلام أن تنصب راية حمراء على قبر القتيل حتّى يتم الثأر له، وتبقى هذه الراية لتذكّر أفراد القبيلة بالدم الذي اُريق ظلماً ولتستصرخ ضمائر أفراد القبيلة.

والذين يزورون مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) اليوم يرون على قبة المرقد هذه الراية الحمراء تُرفرف لتذكّر الأجيال من اُسرة التوحيد بالثأر، لئلا تنام هذه الاُمّة على الظلم، ولئلاّ تقر لها عين، ولمّا يثأر المؤمنون بعد للدم الذي اُريق بكربلاء ظلماً وعدواناً.

 

موقع الثأر في الصراع الحضاري بين التوحيد والشرك:

ولنقف قليلاً عند هذه الكلمة لننظر كيف يكون هذا الدم «ثأر الله» من دون سائر الدماء.

ليس المقصود بـ (الثأر) هنا القصاص فإنّه تشريع عامٌ لكل من قتل بغير حقّ، إذا طالب أولياء الدم بذلك، وليس للشهيد خصوصية في هذا المجال، كما ليس المقصود بذلك معاقبة القاتل والمعتدي في الآخرة فهو أيضاً حكم عام لايخصّ عدواناً دون عدوان، فلابدّ أن يكون للثأر هنا معنى آخر غير المعنى المألوف الذي يعرفه الناس، فالثائر هنا الله، وهو تعالى ولي الثأر، فما عسى أن يكون معنى (الثأر) هنا ؟

وكيف يتولى الله تعالى المطالبة بدم الشهيدين الولد والوالد : «ثأر الله وابن ثأره» ؟

وما هو المقصود من كلمة «ثأر الله» الواردة في هذه الزيارة ؟

إن الصراع هنا ليس صراعاً شخصياً ليكون ثأراً من شخص ـ كما هو المألوف في الدماء والثارات ـ وإنّما الصراع صراع حضاري، فيكون الثأر ثأراً للقضية والرسالة، وإنتقاماً من الخط الحضاري الذي يريد أن ينال من خط الرسالة. فالشهيد يقاتل في سبيل الله ولتثبيت كلمة الله على وجه الأرض، ولإسقاط الطاغوت، وإحباط دوره وعمله في الأرض وفي المجتمع ولإزالة الفتنة التي تعيق الناس عن سبيل الله، والجريمة هنا ليست جريمة على شخص وإنّما جريمة على الخط والرسالة، التي يقاتل من أجلها الشهيد وهي تحكيم شريعة الله في الحياة.

فلابُدّ أن يكون (الثأر) إذن من جنس الجريمة ومن جنس القضية : ثأراً للقضية وإنتقاماً من الخط الحضاري المناوئ لسبيل الله وللصراط المستقيم، وانتصاراً للرسالة التي ضحّى من أجلها الشهيد، واحباطاً لدور الطاغية وسعيه في الأرض.

فكما أن إنزال العقوبة المكافئة للإجرام بشخص المجرم من الثأر والإنتقام، كذلك تسقيط الطاغية و(المجرم) وإحباط دوره في الأرض والانتصار للرسالة وتأييدها ودعمها وإسنادها يُعدّ إنتقاماً من الطاغية وثأراً للشهيد، والثائر الذي يطلب بدماء الشهداء من اُسرة التوحيد، الإبراهيمية، ويتولى الإنتقام من الظالمين والمجرمين، والإنتصار للشهداء، هو الله تعالى فهو ولي الثأر، وولي الدم، والمنتقم الثائر.

 

كربلاء الساحة النموذجية للصراع بين الحقّ والباطل :

هذا المعنى من الثأر والانتقام الإلهي قد تحقَّق في الصراع التأريخي الذي حدث في كربلاء سنة (61هـ ) بين سيّد الشهداء الحسين (عليه السلام) ويزيد بن معاوية وجيشه.

لقد كانت هذه المعركة على صغر مساحتها العسكرية تجسد صراعاً ضخماً بين معسكرين، وحضارتين، وفكرتين ومدرستين، بين الإسلام والجاهلية، والذي ينظر إلى هذه المعركة من بعيد تتراءى له أنّ المعركة كانت بين طائفتين من المسلمين، ولخلافات ومسائل داخلية وسياسية تتعلق بالحكم والسلطان في الحياة الدنيا.

ولكن الأمر أعمق بكثير من هذا البعد; لقد اتخذت الجاهلية الاُولى ـ بعد هزيمتها أمام انطلاقة الرسالة الإسلامية ـ دولة بني اُميّة مظلة إسلامية واقية لها لتعود من جديد إلى صلب الحياة ولتصادر كلّ مكاسب الإسلام في الحكم
والإدارة والإقتصاد والتربية والتعليم والأخلاق والعقيدة، ونجحت هذه المحاولة الجاهلية نجاحاً كبيراً، حتّى إستطاعت ان تتسلل من خلال آل اُمية إلى الخلافة وهو قمة النجاح السياسي والحضاري; والذي ينظر بإمعان في تأريخ معاوية وابنه يزيد من غير تعصب، لا يحتاج إلى عناء كبير ليلمس عودة الجاهلية الاُولى من خلال ولايتهما على المسلمين في البذخ وتبذير أموال المسلمين وفي استعمال المحرمات، من غناء، وخمرة، وقمار، وفي الاستهانة بحدود الله. وفي تصفية قادة الاُمّة (الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه) وفي الإعتداء على معاقل العالم الإسلامي (مكّة المكرّمة والمدينة المنورة) وعشرات النماذج الاُخرى التي تكشف عن هذه الحقيقة، والتي لا يحتاج فهمها إلى أكثر من التجرّد عن التعصب.

وكان الحسين (عليه السلام) يدرك هذه الحقيقة إدراكاً جيداً ويرى رؤية واضحة عودة الجاهلية إلى صلب المجتمع من جديد تحت مظلة بني اُميّة، ويرى غفلة الاُمّة عن هذه المأساة فلم يجد بُدّاً من أن ينهض بأهل بيته وأصحابه، ليكافح هذا التيار الجاهلي ويصبغ هذه المقاومة بدمه ودماء الثلّة المؤمنة التي واكبته في هذه المسيرة ولينبه الاُمّة إلى ضخامة الجريمة والمؤامرة التي تنسج خيوطها في قصور بني اُميّة ضد الإسلام.

فكانت (واقعة كربلاء) مقاومة جريئة وفدائية وخالصة دارت رحاها حول مسألة حضارية مهمة هي (إيقاف الردّة الجاهلية) إلى صلب المجتمع ـ بعد أن أزاحها وعزلها الإسلام عنه ـ وإيقاف التيار الجاهلي، وصدّه من التقدّم، وفضحه، وكشف أبعاد هذه الجريمة، وتنبيه الاُمّة إلى عمق المأساة، وخطورة تلك الردّة التي تسللت إلى موقع الخلافة من خلال يزيد بن معاوية، ومن قبله أبوه معاوية ابن أبي سفيان.

إنّ الإنتقام الحقيقي لدماء شهداء كربلاء، ليس في إنزال عقوبة مادية مماثلة بالقتلة وإنّما الإنتقام الحقيقي والمكافئ للجريمة هو : تحقيق الغاية التي قاتل من أجلها أهل البيت (عليهم السلام) وكشف حقيقة ونوايا الجهاز الحاكم، وإيقاف تيّار الردّة الجاهلية، وإحباط المؤامرة الجاهلية.

هذه النقاط في الحقيقة هي النقاط الأساسية للإنتقام من الظالم والانتصار للمظلوم وتحقيق إرادة الشهيد وإحباط إرادة (الطاغية).

والله تعالى هو الذي يتولّى تحقيق هذه الغايات وتوفير هذه الضمانات جميعاً للشهيد، فهو ولي الدم وصاحبّ الثأر والمنتقم من الطاغية، والمنتصر للشهيد.

و (هذا الثأر الإلهي) من الظالم يعم كلّ الشهداء بدرجات مختلفة : فكلّ دم اُريق في سبيل الله دم مضمون القضية، والله تعالى ولي كلّ دم اُريق في سبيله وهذه الضمانة الإلهية لدم الشهيد تعطي دم الشهيد قيمة حركية كبرى في التأريخ، فهو الدم المضمون والمؤمّن الذي يتولى الله تعالى الثأر له، وتحقيق قضيته ورسالته ودحض أعدائه وإسقاطهم وفضحهم; وقلّما يتمتع شيء في حياة الإنسان بمثل هذه الحركية التي يمنحها الله تعالى لدم الشهيد.

 

الضمانة الإلهية لدم الشهيد :

وهذه الضمانة الإلهية لمسيرة الدعوة يرسمها القرآن الكريم في أكثر من آية بطريقته الخاصة، ليبعث في نفوس المؤمنين الثقة والطمأنينة بالعاقبة، وليثبتهم على طريق ذات الشوكة.

وآيات القرآن تتناول هذه الحقيقة ـ الضمانة الإلهية للمسيرة بتعابير وصيغ مختلفة ـ وبصورة مؤكدة وواثقة، وذلك إذا أخلص المؤمنون لله، وصدقوا وثبتوا، وانتزعوا من قلوبهم حبّ الدنيا وآثروا رضوان الله على كلّ شيء، وابتغوا طاعة الله وحده; يقول تعالى :

(يا أيّها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم([7]).

(إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا...([8]).

(قاتلوهم يُعذّبهم الله بأيديكم ويُخزهم وينصركم عليهم...([9]).

(... ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز([10]).

(بل الله مولاكم وهو خير الناصرين([11]).

(وإن تولّوا فاعلموا أنّ الله مولاكم نِعم المولى ونِعم النصير([12]).

(... واعتصموا بالله هو مولاكم فنِعم المولى ونِعم النصير([13]).

(... فإن حزب الله هم الغالبون([14]).

(... وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً([15]).

(... وكفى بربّك هادياً ونصيراً([16]).

وليست هذه الآيات المباركات ضمانات اعتباطية، وخارجة عن دائرة السنن الإلهية، التي لا تتبدل ولا تتغير، وإنّما تأتي هذه الضمانات الإلهية بموجب سلسلة من الأسباب والعلل، منها ما يرتبط بالقلب والجوانح، ومنها ما يرتبط بالجوارح; وجملة هذه الأسباب هي التي تستنزل النصر والقوّة من عند الله تعالى للجماعة المؤمنة في صراعها مع قوى الكفر والجاهلية على وجه الأرض.

وأهم هذه الأسباب هي الإيمان، والتوكل على الله والثقة به، والجهاد، والعمل في سبيله، والاخلاص وإبتغاء وجهه الكريم، والانتصار لدينه، والصبر، والثبات، والصدق في الموقف، والإعداد الميداني للمعركة وغير ذلك من الأسباب التي تستنزل النصر من الله تعالى، وتؤمّن الضمانة الإلهية للنصر في ساحات القتال والمواجهة.

والشهداء في طليعة المؤمنين، إيماناً، وثقة بالله، وجهاداً، وتضحيةً، وعطاءً، وبذلاً في سبيل الله تعالى، وإبتغاءً لوجهه الكريم، وثباتاً، وصدقاً في القول والعمل، وصبراً في مواجهة التحديات.

هذه كلّها مفاتيح النصر، والأسباب التي تستنزل النصر من عند الله تعالى، ودم الشهيد يجمع هذه الخصال جميعاً، ويشهد للشهيد بالصدق والصبر والعطاء.

 

معنى النصر والهزيمة :

وقبل أن نسترسل في الحديث عن الضمانة الإلهية لدم الشهيد ومواكب الشهداء في التأريخ، ووعد الله تعالى لهم بالنصر والتأييد والغلبة على معسكر الجاهلية، لابُدّ أن نقف هنا وقفة قصيرة لنقول :

إنّ هذا النصر ليس بالمعنى العسكري للنصر، فقد كان بنو اُمية هم المنتصرين يوم الطف على معسكر الحسين (عليه السلام)، لو كنا نقصد بالنصر هذا المعنى الذي يفهمه الناس من النصر عادةً، ولكننا عندما نتجاوز الشعاع المنظور للمعركة، والأبعاد العسكرية والسياسية القريبة لها نجد أن الحسين (عليه السلام)قد تمكن من
إسقاط يزيد وإسقاط القناع عن وجهه كأمير للمؤمنين، وفضحه، ومصادرة الشرعية التي حاول أن يسبغها على نفسه، والقواعد التي كان يستند إليها، وإنهاء خطه السياسي في تحريف الإسلام عن مجراه الصحيح.

وهذا هو كلّ ما كان يريده سيد الشهداء (عليه السلام) في صراعه مع يزيد، فلم يكن الحسين (عليه السلام) يطلب حكماً أو سلطاناً عاجلاً، وقد كان على بيّنة من أمره هذا، عندما خرج من الحجاز إلى العراق، وإنّما كان يريد أن يعرّي يزيد أمام المسلمين، ويسقط القناع عن وجهه، لئلاّ يتمكن من تحريف مسيرة الإسلام وتحويله إلى ملك عضوض ـ كما يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ وقد استطاع الحسين (عليه السلام) أن يحقق بالدقة كلّما يبتغيه من خروجه على يزيد.

إنّ المعركة التي خاضها سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) لم تكن تستهدف أهدافاً عسكرية أو إقتصادية لنقيس نجاح المعركة وفشلها بما حقق من أغراض عسكرية أو إقتصادية، وإنّما كانت معركة حضارية، فقد استطاعت الجاهلية الاُموية التي هزمها الإسلام أن تتسلل إلى مراكز القيادة في المجتمع الإسلامي من جديد بكلّ أبعادها وتراثها الجاهلي، وكان هدف الحسين (عليه السلام) هو إيقاف هذا المدّ الجاهلي الذي بدأ يمتد إلى جسم الإسلام وباسم الإسلام، وصدّه، وفضحه وتعريته، وقد حققت ثورة الحسين (عليه السلام)كلّ ما كان يريده في هذه الحركة المباركة.

لقد أسقطت شهادة أبي الشهداء (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه القناع عن وجه يزيد، وعرّته تماماً للمجتمع الإسلامي وللتأريخ، وانتزعت منه وممن خلَفَه الشرعية التي كان يحرص عليها هؤلاء، فلم يعد يزيد وخلَفَه من حكّام بني اُمية يشكّلون خطراً على اُصول هذا الدين وفروعه وخطّه، ومقاييسه وتراثه.

وقد تولى الله تعالى قضية هذه الدماء ورسالتها وثأر لها وحقق قضيتها، لو أننا فهمنا النصر بمعناه العميق الحضاري والتأريخي، وليس الفوز في جولة عسكرية، وليس من الصحيح أن نقيس النصر والهزيمة بمقياس النجاح والفشل في جولة عسكرية، ولو أردنا أن نفهم النصر والهزيمة في هذه الدائرة الضيقة وبمثل هذا الفهم المحدود لم نستطع أن نفهم حركة التأريخ وسنن الله في التأريخ; فقد يربح أحد الاطراف جولة من المعركة ولايكون منتصراً بالمعنى البعيد والحضاري لهذه الكلمة; وقد يخسر أحد الاطراف الجولة والجولتين في المعركة ولن يكون مهزوماً; وقد يربح الطرف الذي يحسن اللعب على الحبال، ويُحسن شراء وبيع الضمائر ويحسن الخيانة وتجاوز القيم، ولكنه لن يكون منتصراً; وقد يخسر الطرف الذي يثبت عند القيم والمبدأ الجولة الواحدة والثانية والثالثة في المعركة وتكون له العاقبة المحمودة والنصر.

إذن لا يقاس النصر بهذه المقاييس الآنية والوقتية وإنّما بتحقيق الأهداف والغايات الحضارية; والحسين (عليه السلام) بهذا المقياس قد إنتصر على يزيد، وقبله أخوه الحسن المجتبى (عليه السلام) على معاوية، وقبلهما أبوهما علي بن أبي طالب (عليه السلام)على معاوية، وهذا هو المقياس الصحيح لمعرفة النصر والهزيمة، وهذا الذي نقصده نحن من النصر في الصراع الخالد بين الإسلام والجاهلية الذي يضمنه الله تعالى للصالحين من عباده.

 


 

 

 


 

([1]) يراجع لسان العرب 2 / 77. دار احياء التراث العربي ـ بيروت.

([2]) النهاية لابن الأثير 1 / 204. دار احياء الكتب العربية.

([3]) المائدة / 32.

([4]) الاسراء / 33.

([5]) البقرة / 178.

([6]) البقرة / 257.

([7]) محمّد / 7.

([8]) غافر / 51.

([9]) التوبة / 14.

([10]) الحجّ / 40.

([11]) آل عمران / 150.

([12]) الأنفال / 40.

([13]) الحج / 78.

([14]) المائدة / 56.

([15]) النساء / 45.

([16]) الفرقان / 31.

 

 

 

ثـأر الله

 

القيمة الذاتية للشهادة

في هذه النقطة نتناول قيمة الدم ودوره في تكامل شخصية الشهيد وسلوكه إلى الله تعالى.

إنّ (الدم) في الوقت الذي يعتبر من أقوى عوامل التحريك في المجتمع، يُعدّ من أهم عوامل بناء شخصية المؤمن وتكامله وسلوكه إلى الله تعالى.

ولكي نفهم قيمة الدم ودوره في تكامل شخصية الإنسان وسلوكه إلى الله لابدّ أن نلم إلمامة سريعة بهذه الرحلة الطويلة والعسيرة التي تنقل الإنسان من محور (الأنا) و (الذات) و(الهوى) إلى محور (ولاية الله) وتمثل حركة الإنسان وسيره التكاملي إلى الله.

 

رحلة الإنسان الى الله :

ويوجز القرآن الكريم هذه الرحلة بقوله تعالى : (يا أيّها الإنسان إنّك كادح الى ربّك كدحاً فمُلاقيه) ([1])، وبالتأمل في هذه الآية الكريمة نلتقي بالنقاط التالية :

1 ـ إن هذه المسيرة والنقلة، هي الهدف والغاية من خلق الإنسان، ولذلك يتوجه الخطاب في الآية الكريمة إلى (الإنسان)، على غير طريقة القرآن في الخطابات التي تترتب على الإيمان بالله، حيث يوجه القرآن فيها الخطاب إلى (الذين آمنوا)، وتوجيه الخطاب هنا إلى الإنسان دون تخصيص بالذين آمنوا فقط، ينمّ عن أن هذه المسيرة والرحلة هي الهدف والغاية من خلق الإنسان. ومن دون أن يدخل الإنسان في هذه المسيرة، ويتعرض لكدحها وعنائها لايمكن أنْ يحقّق الغاية والهدف من تكوينه وخلقه، ولا يتحقق النضج والرشد والكمال المطلوب منه.

2 ـ وتبدأ هذه المسيرة بـ (الأنا); بما تكتنف الأنا من الشهوات والأهواء والغرائز، بصورة طبيعية، وتنتهي إلى الله : (الى ربّك...). وهذا القوس الصعودي من الأنا إلى الله هو مسار حركة الإنسان ونموه وتكامله.

3 ـ ولابدّ أنْ تتم هذه الحركة بصورة اختيارية وطوعية في حياة الإنسان، وقيمة هذه الحركة أنّها تتم بصورة اختيارية وطوعية وبإرادة الإنسان. ولو أن هذه الحركة كانت تتم بصورة قهرية لم تكن تحقق للإنسان هذا التكامل والنمو الذي سوف نشير إليه.

إنّ الموت ينتزع الإنسان بصورة قهرية من محور الأنا، ولذّاته، وشهواته، وأهوائه، وما يملك من متاع الحياة الدنيا، ومن الأبناء، والأزواج، والأموال، إلاّ أن هذا الانفصال حيث يتمّ بصورة قهرية لا يحقق للإنسان لقاء الله الذي تشير إليه الآية الكريمة.

ولعلّ صعوبة (النزع) نابعة من هذا الإنتزاع القهري من الحياة الدنيا وكلما تكون علاقة الإنسان بالحياة الدنيا أكثر وأعمق تكون نزعات الموت عليه أصعب وأقسى. وإن الإنسان ليفقد دراهم معدودات من المال أو بعض أعزائه، أو
بعض ما يملك من حطام الدنيا فيشق عليه ذلك مشقة بالغة، فكيف إذا قهره الموت لينتزعه من كلّ علاقاته في الحياة الدنيا على الإطلاق، ومرّة واحدة.

وهذا الانتزاع القهري الذي يحققه الموت لا يرفع من درجة الإنسان ولا يحقق للإنسان كمالاً. لانّه تم بصورة قهرية ومن دون إرادة الإنسان وإنّما يتكامل الإنسان عندما يسعى لانتزاع نفسه من التعلّق بالحياة الدنيا، ومتاعها، ولذاتها، بصورة اختيارية، وبشكل تدريجي، حتّى يتحرر من حبّ الدنيا والتعلّق بها ومن (الأنا) و (الهوى) بشكل كامل.

ولعلّ الحديث المعروف : «موتوا قبل أن تموتوا» ([2]) يشير إلى هذه الحقيقة، ويكون المقصود بالموت الأول هو الموت الإختياري وبالموت الثاني هو الموت القهري والطبيعي. وهذه الحركة الطوعية إلى الله تتطلّب من الإنسان الكثير من الجهد والمعاناة، وربما تشير الآية الكريمة إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى : (...إنّك كادح الى ربّك كدحاً...).

4 ـ وهذه المسيرة مسيرة كمال الإنسان وعروجه إلى الله. والغاية من هذه المسيرة هي أشرف الغايات وأسماها في حياة الإنسان على الإطلاق وهي : لقاء الله، وإلى هذه الغاية العليا تشير الآية الكريمة : (فملاقيه).

فإن لقاء الله هو النتيجة التي تترتب على مسيرة الإنسان الكادحة إلى الله، وحسب الإنسان في هذه الرحلة الشاقّة والكادحة أن ينال (لقاء الله) وتلك غاية لا ينالها إلاّ القليل ممن ارتضاهم الله تعالى واختارهم.

5 ـ وهذه المسيرة بقدر ما تحقق للإنسان الكمال والتسامي ونيل لقاء الله ـ الذي هو أشرف ما يناله الإنسان في دنياه وآخرته ـ تتطلب منه الجهد والعناء والكدح، وهذه الضريبة الحتمية في الطريق إلى الله هي التي تشير إليها الآية الكريمة : (...كادح الى ربّك كدحاً...).

 

دراسة للمنطلق والغاية في حركة الإنسان :

منطلق الإنسان في هذه الحركة هو (الأنا)، وغاية الإنسان في هذه الحركة هو (الله) تعالى، والإنسان يكدح بين هذا المنطلق وتلك الغاية والمنطلق (الأنا) محفوف دائماً بالشهوات والأهواء، ويتطلب من الإنسان الركون إلى متاع الحياة الدنيا ولذاتها، والتسليم لها، ويسعى لفرض سلطانه على الإنسان، وحبسه عن العروج والصعود إلى الله.

والغاية في هذه الرحلة هي الله تعالى وهو سبحانه يطلب من عباده الطاعة والانقياد والتسليم والرضا والحبّ والنصر وتجتمع هذه المعاني جميعاً في كلمة (الولاء).

والإنسان يتحرك كادحاً بين هذا المنطلق وتلك الغاية، بين جاذبية المنطلق بما تحفه من الشهوات والغرائز، وبين الكدح الشاق والعسير إلى الله تعالى.

ولابدّ أن نقف وقفة قصيرة عند هذا المنطلق وتلك الغاية، لنعرف قوانين وسنن هذه الحركة الصاعدة (الكادحة) إلى الله تعالى من (الأنا).

1 ـ المنطلق :

أول شيء يوقفنا في هذه المسيرة نقطة المنطلق وهي (الأنا) والذات الإنسانية، وتكتنف (الأنا) ثلاثة أنواع من العوامل : إثنان منهما يتجاذبان الإنسان ويسحقانه كحجري الرحى، ويشدّان الإنسان إلى الحياة الدنيا شدّاً وثيقاً ويقيدانه، ويعرقلان تحركه وانطلاقه، ويثقلانه بحبّ الدنيا ومتاعها ولذاتها.

وأجمل تعبير عن هذا الانشداد هو قوله تعالى : (يا أيّها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ قليل) ([3]) وهذان العاملان اللذان يضغطان على الإنسان، ويشدّان الإنسان إلى الأرض هما :

أ ـ الشهوات والغرائز والأهواء والميول النفسية. وهذا النوع يكمن داخل النفس ويصطلح عليه القرآن بـ (الهوى).

ب ـ المغريات والمثيرات التي تحرك الشهوات وتهيج الغرائز، وهذا النوع قائم في ساحة الحياة، ويثير الشهوات والغرائز في نفس الإنسان، كالبنين والنساء والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ويصطلح القرآن عليه بـ (الفتنة).

وبين هذا العامل وذاك يقع إبليس اللعين وجنوده من شياطين الجن والإنس، الذين يقومون بدور الوساطة بين (الأهواء) و(الفتن) بتحريك الشهوات في نفس الإنسان بالمغريات والمثيرات، وجذب الشهوات إلى هذه المثيرات. والإنسان في نقطة (المنطلق) هذه يقع تحت تأثير هذه العوامل الثلاثة التي تضغط عليه، وتحدد حركته، وتقيده عن الإنطلاق والصعود.

 

مثلث الابتلاء في القرآن الكريم :

ونعود مرّة اُخرى إلى القرآن الكريم لنتعرف على دور (الأهواء) و(الفتن) و(الشيطان) في حياة الإنسان.

ونبدأ الحديث عن الشهوات والأهواء :

 

أ ـ الهوى :

عن الهوى ودوره التخريبي في حياة الإنسان يقول تعالى : (واتل عليهم نبأ الذي آتيانه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكّرون) ([4]).

وفى الرواية إن هذه الآيات نزلت في بلعم بن باعوراء من علماء بني اسرائيل الذي آتاه الله تعالى آياته فانسلخ منها باتباعه الهوى.

وسواء صحت هذه الرواية أم لم تصح فإن الآية الكريمة تشير إلى الدور التخريبي الواسع لسلطان الهوى على حياة الإنسان.

الأثر أول : هذه الآثار هو الخلود إلى الأرض (ولكنه أخلد الى الأرض)والمقصود بالأرض الحياة الدنيا، والخلود : السقوط. وهذا هو الأثر الأول لسلطان الهوى على النفس وهو السقوط في لذات الدنيا وحطامها، والالتصاق بها، وهذا السقوط بطبيعة الحال في مقابل العروج إلى الله، يحبس الإنسان عن الله.

والأثر الثاني : هو الانسلاخ عن آيات الله (فانسلخ منها) كما تنسلخ الحية من جلدها، وينفصل ويبين عنها تماماً، فلم تعد لها علاقة به، ولم يعد له علاقة بها، كذلك الإنسان إذا تمكن منه الهوى ينسلخ عن آيات الله وتبين عنه، ويصبح غريباً عنها وتصبح غريبة عنه، ويفقد كلّ بصيرة ووعي بآيات الله، ويرفضها، كما يرفض المريض الطعام الشهي اللذيذ.

والأثر الثالث : إتباع الشيطان (فاتبعه الشيطان) أي أدركه، وتمكن منه، ومن تمكن منه الشيطان ونشبت فيه مخالبه، سلب منه عقله وقلبه وضميره وفطرته وكلّ ما آتاه الله تعالى من القيم وذلك أقصى درجات السقوط في حياة الإنسان.

والأثر الرابع : الغواية والضلالة (فكان من الغاوين)، وكيف يمكن أن يستقيم على هدى الله من تمكن منه الشيطان، وسلب منه عقله وقلبه وضميره وفطرته ومسخه فلا محالة يكون سعيه كلّه في ضلال وغي.

والأثر الخامس : الجشع والحرص على حطام الدنيا (فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) فلا يروي ظمأهم إلى حطام الحياة الدنيا وزخرفها شيء ومهما أكثروا منها ازدادوا إليها جشعاً. كما يصيب الكلاب داء (الكلب) فلا يرويها ماء، فهي تلهث على كلّ حال، كذلك هؤلاء الذين إتبعوا أهواءهم فأخلدوا إلى الأرض فلا يزيدهم السعي إلى الدنيا إلاّ لهاثاً وظمأً ولست أقول لاتزيدهم الدنيا، وإنّما أقول لايزيدهم السعي إلى الدنيا، فقد يسعى المؤمن إلى الدنيا فيصيب منها ما يشاء الله قلّ أو كثر، ولكنه لا يلهث خلف الدنيا ولا يزيده السعي إلى الدنيا ظمأً ولهاثاً من ورائها.

روي أن الإمام الصادق (عليه السلام) قال لرجل إشتكى إليه حرصه على الدنيا : «إن كان ما يكفيك يغنيك، فأدنى ما فيها يغنيك وإن كان ما يكفيك لايغنيك، فكل ما فيها لا يغنيك» ([5]).

تلك صورة عن سلطان الهوى على الإنسان ودوره التخريبي في حياة الإنسان... من القرآن الكريم ويرسم القرآن، على لسان امرأة العزيز، في سورة يوسف لوحة اُخرى لسلطان الهوى على الإنسان، وهي لوحة معبّرة وناطقة وذلك في قوله تعالى : (... ان النفس لأمارة بالسوء...) ([6]) وتحمل هذه الآية المباركة ـ من معاني تأكيد سلطان الهوى على النفس ـ الشيء العظيم وكان
أساتذتنا عندما كنا نقرأ (النحو) يستشهدون بهذه الآية الكريمة في تكرار التأكيد وتوكيدها.

فالجملة اسمية، ومصدّرة بأن والامارة صيغة مبالغة معروفة، ومصدّرة باللام لتأكيد المبالغة والتأكيد.

وكلّ هذه التأكيدات لتثبت الدور التخريبي السيء للهوى (الأمارة بالسوء) ونكتفي بهاتين الآيتين من كتاب الله في تقرير الدور السلبي لسلطان الهوى في حياة الإنسان.

ب ـ الفتنة :

وهذا هو الضلع الثاني من مثلث الابتلاء، والفتنة والفتن هي المغريات والمثيرات التي تغري الإنسان وتثير النفس، وهي تقع خارج النفس، وفي الحياة الدنيا، بعكس الهوى الذي يكمن داخل النفس. والدنيا فتنة، وحطامها فتنة، وما فيها من الذهب والفضة والأموال والأولاد والأزواج فتنة. وهذه الفتن تأسر الإنسان وتسلبه إرادته، وتستذله.

يقول تعالى: (...أنّما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور) ([7]).

وهذه النقاط التي تذكرها الآية الكريمة هي كلّ إهتمامات الإنسان عندما يحوم حول محور (الدنيا). وللشيخ بهاء الدين العاملي (رحمه الله) إلتفاتة طريفة في
تفسير هذه الآية الكريمة كما ينقل ذلك العلاّمة الطباطبائي في الميزان ([8]) يقول الشيخ : إنّ الله تعالى استعرض هذه الحالات الخمس بترتيب وموازاة مراحل عمر الإنسان المختلفة. فالإنسان يبدأ المرحلة الاُولى من عمره باللعب، ثم تعقب هذه المرحلة مرحلة المراهقة وهي مرحلة اللهو، ثم بعد ذلك تأتي مرحلة الزينة والإناقة في حياة الإنسان، وهي مرحلة إكتمال ونضج الشباب ثم في نهاية مرحلة الشباب تبرز في الإنسان حالة حبّ التفاخر والرئاء والتظاهر، فإذا تقدّم السن بالإنسان وأشرف على الشيخوخة ظهرت فيه حالة التكاثر في الأموال والأولاد.

ويقول تعالى : (زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب([9]).

وهذه النقاط هي أهم المسائل التي تستثير غرائز الإنسان وتهيّجها وتشدّ الإنسان إلى هذه المغريات التي يحصي القرآن طرفاً منها في هذه الآية.

ج ـ الشيطان :

وإبليس وجنوده من الشياطين هم الضلع الثالث من (مثلث الابتلاء) يقرّب البعيد للإنسان، ويبعد القريب، ويوسوس في النفس، ويزيّن للإنسان القبيح، ويقبح له الجميل، ويعرض عليه الفتن عرضاً ليزيد في إثارتها وإغرائها، ويحرك أهواء الإنسان وشهواته ويفتنه بها : (يا بني آدم لايفتننّكم الشيطان كما أخرج
أبويكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما...([10])، (... ولا تتبعوا خطوات الشيطان انّه لكم عدو مبين * إنّما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)([11])، (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً...)([12])، (... وقال لأتّخذنّ من عِبادك نصيباً مفروضاً * ولأُضلَّنّهم ولأُمَنّينَّهم...)([13])، (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله...([14])، (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدُلك على شجرة الخُلد ومُلك لا يبلى([15]).

تلك هي الاضلاع الثلاثة لمثلث الابتلاء الرهيب الذي يشدّ الإنسان إلى الحياة الدنيا، وتلك هي نقطة المنطلق في حياة الإنسان.

 

أعراض التعلق بالدنيا في نقطة الإنطلاق :

وينشأ من تعلق الإنسان بالدنيا، وإنشداده إليها ثلاثة أنواع من الأعراض المرضية الصعبة :

منها : ما يتعلق بعلاقته بالدنيا.

ومنها : ما يتعلق بعلاقته بالله تعالى.

ومنها : ما يتعلق بعلاقته بالآخرين.

والنوع الأول هو : الأمراض الأخلاقية التي تخص علاقة الإنسان بالدنيا مثل (الحرص) و(الطمع) و(الجشع) و (الركون إلى الدنيا) و (البطر) و(طول الأمل)... وغير ذلك.

والنوع الثاني : الأعراض التي تخص علاقة الإنسان بالله تعالى وهي كثيرة وممّا لاشك فيه أن علاقة الإنسان بالدنيا لها إنعكاس مباشر ونسبة عكسية على علاقة الإنسان بالله تعالى وكلما كان إقبال الإنسان وإنشغاله بالدنيا أكثر قلّ إقباله على الله تعالى وذكره إياه. والقرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى : (كلاّ إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى) ([16]) أن الاحساس بالإستغناء وهم كاذب ناتج عن تعلق الإنسان بالدنيا وإقباله عليها وإعتماده عليها وهو ليس من الإستغناء فإن الإنسان لايستغني عن الله تعالى في كلّ حال، يقول تعالى : (يا أيّها الناس أنتم الفقراء الى الله...([17])، وإنّما هو توهم كاذب للاستغناء وتعبير القرآن عن ذلك دقيق (أن رآه استغنى) وليس (أن استغنى) وبين هذا وذاك فرق. إذن المسألة نفسية، وليست موضوعية. وبتعبير آخر ليس الغنى والتمكن من أسباب الحياة الدنيا هي التي تؤدي بالإنسان إلى الطغيان، إذا كان الإنسان يشعر في قرارة نفسه في كلّ الحالات بفقره وحاجته إلى الله، وإنّما الذي يؤدّي إلى الطغيان في علاقته بالله هو وهم الاكتفاء بالدنيا عن الله والاستغناء بالدنيا عن الله، وهو يؤدي إلى الشره والحرص ويؤدي الى الطغيان والإعراض عن الله تعالى في وقت واحد.

إذن الاقبال على الدنيا، والإعتماد عليها، والتعلّق بها يؤدي بالإنسان الى الإعراض عن الله بدرجات مختلفة على قدر إقباله على الدنيا، وتعلقه بها، وانشداده إليها، ويؤدي به إلى ضعف الثقة بالله وضعف التوكّل على الله، وضعف اليقين بالله، وينعكس انعكاساً سلبياً على يقينه وثقته وإقباله وتوكله على الله وهذا هو النوع الثاني من الأعراض النابعة عن تعلق الإنسان بالدنيا.

والنوع الثالث من هذه الأعراض : هي الأعراض الناجمة عن الاحتكاك والتنافس، والتزاحم فيما بين الناس على حطام متاع الدنيا، كالحسد والبغضاء وسوء الظن، والغيبة، والكذب، والمماراة، والجدال، والتقاطع، والتسقيط والعدوان.

وهذه الأمراض الثلاثة نابعة من حبّ الدنيا، وهي من عوامل انحراف الإنسان وسقوطه، ولذلك ورد في الحديث الشريف «حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة» ([18]).

هذا هو ـ على نحو الايجاز الشديد ـ المحور الأول أو المنطلق في حياة الإنسان، وهو (الأنا). والأعراض المرضية الناجمة عن ارتباط الإنسان بهذا المحور والتي تجرّه إلى السقوط والهلاك.

2 ـ الغاية :

والمحور الآخر في حياة الإنسان هو (الله); فعندما ينتقل الإنسان إلى هذا المحور يضع نفسه بشكل كامل تحت تصرف حكم الله وإرادته وسلطانه، وأمره، ونهيه، وينقاد لسلطان الله إنقياداً كاملاً في كلّ أمر يرتبط بحياته، فيما يتعلّق بجوارحه وأعضائه، وما يتعلّق بجوانحه وحبّه، وبغضه، ويخرج بشكل كامل من سلطان الهوى والأنا، وينتزع نفسه انتزاعاً كاملاً من سلطان هذا المحور، ويدخل في دائرة سلطان ولاية الله بشكل مطلق، ومن دون حدود وقيود فلا يحبّ إلاّ ما يحبّ الله، ولا يبغض إلاّ ما يبغض الله، ويحبّ الله، ويحبّ لله، ويحبّ في الله، ويبغض في الله، وينقاد لأمر الله ونهيه، ويستسلم لمشيئة الله وحكمه، إستسلاماً كاملاً.

والآية الكريمة التالية من سورة الأنعام تعطي تصوّراً واضحاً ودقيقاً لهذا المحور الذي نتحدث عنه، والذي هو دين إبراهيم (عليه السلام) : (قل إنّني هداني ربّي الى صراط مستقيم ديناً قيماً ملّة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين * قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين * لا شريك له وبذلك اُمرت وأنا أوّل المسلمين([19]).

فلن يكون الإنسان داخلاً في دائرة ولاية الله، وخاضعاً للمحور الربّاني في الحياة إلاّ عندما يكون كلّ شيء في حياته لله تعالى من دون استثناء : صلاته ونسكه، وحياته، ومماته.

 

الطاعة والتسليم والذكر والرجاء والرهبة والحبّ :

ومن أهم مقومات هذا الإرتباط :

الطاعة والتسليم والذكر، والرجاء والرهبة والحب ورأس كلّ ذلك (اليقين)، وهو من أعز ما أنعم الله تعالى على عباده من النعم. ولابدّ ان تجتمع هذه الاُمور جميعاً حتّى يخرج الإنسان من دائرة الأنا، ويدخل في دائرة ولاية الله تعالى.

ومن الطاعة التبعية لأحكام الله، والالتزام بحدوده تعالى والقيام بفرائضه، والتقوى.

ومن التسليم : الرضا بقضائه وقدره، والتسليم لمشيئته وإرادته.

ومن الذكر وعي حضور الله تعالى، وإستحضار سلطان الله في كلّ الحالات، والمراقبة والمحاسبة، وإنفتاح القلب على الله والإنصراف إلى الله وإنشغال القلب بالله تعالى وصفاته وأسمائه الحسنى عن كلّ شيء آخر إلاّ أن يكون في إمتداد ذكر الله وأمره.

ومن الرجاء الدعاء والسؤال والاستغفار.

ومن الرهبة التضرع والبكاء والتقوى والخشية والخشوع.

ومن الحبّ الاُنس بالله والحبّ في الله والبغض في الله، والحنين والشوق إلى لقاء الله والابتهاج بذكر الله وقضائه.

وسبيل الإنسان إلى حبّ الله تعالى : الطاعة والتبعية والتقوى والانقياد لأحكام الله وإذا أحبّ الإنسان ربّه أحبّه الله، يقول تعالى : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله...)وإذا أحبّ الله عبداً رزقه نوراً في بصره، وسمعه، وقلبه، وقوّة في بطشه، وتسديداً في كلامه ونطقه وفعله.

فقد ورد في الحديث القدسي : «ما يتقرب اليّ عبدي بشيء أحبّ اليّ ممّا افترضته عليه، وانه ليتقرب اليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته» ([20]).

وإذا خرج الإنسان من سلطان الهوى ودخل في دائرة ولاية الله رزقه الله، كما في هذا الحديث، نوراً في بصره، وسمعه، وتسديداً في كلامه ومنطقه وفعله، وقوّة في بطشه. فيسمع بالله ويبصر بالله وينطق بتسديد الله ويبطش بحول الله وقوته.

 

كيف يأخذ الإنسان ويعطي بالله ؟

وبالتأمل في هذا الحديث نجد أن الإنسان عندما يتحول بشكل كامل إلى محور الولاية الإلهية يتحول إلى أداة طيّعة لتنفيذ مشيئة الله، في الأخذ والعطاء معاً، فهو في الجانب الأول (الأخذ والتلقي) يسمع بالله ويبصر بالله. وفي الجانب الثاني (العطاء والإرسال) ينطق بتسديد الله، ويبطش بحول الله وقوته. والله تعالى يختار الإنسان في هذه الحالة ليكون أداةً لتنفيذ مشيئته وإرادته على وجه الأرض. يأخذ بالله ويعطي بالله ولله، فلا يكون للأنا، والذات، والهوى دور في عمله وحبّه وبغضه وتحركه وكلامه، وموقفه وسكوته، ولا يكون للأنا والهوى أي درجة من درجات السلطان والنفوذ والتأثير على حياته، وسلوكه وفكره ورأيه.

وهذا هو معنى الإنسلاخ والإنتزاع الكامل من سلطان الأنا والخضوع والارتباط التامّ بولاية الله تعالى وهو معنى الانفصال الكامل عن المحور الأوّل والانتقال الكامل إلى المحور الثاني.

ولهذا الانفصال والانتقال من محور إلى محور آيات وعلامات في حياة الإنسان يشير إلى بعضها حديث الولاية القدسي السابق : «إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته».

هذه هي خلاصة شديدة الاختصار عن المحور الثاني في حركة الإنسان. والآن نريد أن نتحدث عن حركة الإنسان من نقطة البداية (محور الذات) إلى نقطة النهاية والغاية في حركته ونموه وتكامله (محور الولاية الإلهية).

3 ـ الحركة من (الأنا) الى (الله) :

وخلاصة هذه الرحلة : الانطلاق من الشهوات والأهواء (المحور الأول) إلى الله (المحور الثاني) والصعود من حضيض الذات والشهوات الى قمة الحبّ والارتباط بالله والولاء له.

وهذه الحركة ذات شطرين :

شطر يتعلّق بالانطلاق من (الأنا).

والآخر يتعلّق بالصعود والعروج إلى الله.

وعلى القاعدة العامّة فإن الإنطلاق أصعب من الصعود والحركة. والمعروف أن أكثر ما تحتاجه الصواريخ من الوقود والطاقة في الانطلاق من الأرض والتحرر من نفوذ جاذبية الأرض.

والانطلاق هنا من الذات، وما تكتنف الذات من الشهوات. وفي هذا الانطلاق يتحرر الإنسان من الشهوات والأهواء، ويخرج من دائرة نفوذ الشهوات والأهواء وهذه الدائرة تطوق الإنسان عادةً، وتطبق عليه، وتحصره في نطاقها، بين الأضلاع الثلاثة لمثلث الابتلاء الذي تحدثنا عنه، فلا يستطيع الإنسان أن ينفلت من قبضة سلطان هذا المثلث الرهيب، ولن يتحرر منه إلاّ بمشقّة بالغة.

فإن الشهوات والغرائز الكامنة في النفس تشد الإنسان شدّاً وثيقاً ومحكماً بالمال والبنين والأزواج والمواقع وما يشبه ذلك من زينة الحياة الدنيا، ولا يستطيع أن ينطلق إلى لقاء الله ويدخل في دائرة ولاية الله قبل أن يتحرر من هذه القيود التي تعيق تحركه وانطلاقه.

ولذلك فالشطر الأوّل من مهمة الإنسان هو التحرر من هذه القيود والتعلقات، والشطر الثاني هو الصعود والتحرّك إلى الله، والدخول في دائرة ولاية الله ومن دون أن يتحرر الإنسان من المحور الأوّل لا يستطيع أن يرتبط بالمحور الثاني من دون أن ينتزع نفسه من سلطان الأنا والهوى، لا يستطيع أن يدخل في دائرة سلطان ولاية الله.

 

«التقوى» و «ذكر الله» في شطري الحركة :

وإذا عرفنا أن لسفر الإنسان من محور (الأنا) إلى محور (ولاية الله) مرحلتين : مرحلة التحرر من (الأنا) ومرحلة الارتباط بمحور ولاية الله، فلابدّ أن نعرف الأداة التي تمكّن الإنسان في كلّ من هاتين المرحلتين من العمل وهما أداتان إثنتان : (التقوى) في التحرر من أسر الشهوات ومكافحة الأهواء (للمرحلة الاُولى).

(والذكر) في السير إلى الله والارتباط بالله والإنضمام إلى محور (ولاية الله)، (للمرحلة الثانية). وهاتان الأداتان هما قوام كلّ التعليمات الإسلامية لإعداد الإنسان وتربيته وتأهيله للتكامل.

وقد ورد فيما أوصى الإمام أميرالمؤمنين ابنه الحسن (عليهما السلام) : «اُوصيك (بتقوى) الله يا بني ولزوم أمره وعمارة قلبك بذكره» ([21]).

ولنتحدث أوّلاً عن الأداة التي تمكنّنا من التحرر من الهوى والذات في المرحلة الاُولى وهي (التقوى) وبعد ذلك نتكلم عن الأداة التي تربطنا بمحور الولاء لله تعالى، وتقربنا من الله.


 


([1]) الانشقاق / 6.

([2]) بحار الانوار 72 / 59 الحديث الأول.

([3]) التوبة / 38.

([4]) الاعراف / 175 ـ 176.

([5]) اُصول الكافي 2 / 139.

([6]) يوسف / 53.

([7]) الحديد / 20.

([8]) الميزان 19 / 188.

([9]) آل عمران / 14.

([10]) الاعراف / 27.

([11]) البقرة / 168 ـ 169.

([12]) البقرة / 268.

([13]) النساء / 118 ـ 119.

([14]) المجادلة / 19.

([15]) طه / 120.

([16]) العلق / 6 ـ 7.

([17]) فاطر / 15.

([18]) الدنيا ليست مذمومة في الفكر الإسلامي، وإقتناء متاع الدنيا ليس أمراً مذموماً، إنّما المذموم
               
  هو التعلّق بمتاع الحياة الدنيا والانشداد إليها فليس من بأس أن تكون الدنيا بمتاعها ولذاتها
               
  وطيّباتها في قبضتك، فليست هذه الطيبات محرّمة على عباد الله، ولكن البأس كلّ البأس أن
               
  يكون الإنسان في قبضة الحياة الدنيا وتحت تأثيرها.

([19]) الأنعام / 161 ـ 163.

([20]) روى الفريقان هذا الحديث بشكل متواتر فقد ورد عن طريق أهل البيت بطرق متعددة                 رواها شيخ الإسلام الكليني في الكافي، والبرقي في المحاسن، والحرّ العاملي في الأحاديث
               
  القدسية وغيرهم كما ورد عن طريق العامة بروايات متعددة رواها البخاري في الصحيح
               
  والغزالي في الإحياء وغيرهما من الرواة والعلماء.

([21]) بحار الانوار 77 / 199.

 

 

 

التقوى للتحرر من الهوى :

أن العقبة الكبرى التي يواجهها الإنسان في حركته إلى الله هي (الهوى).

قال الله تعالى : (... ولا تتّبع الهوى فيضلك عن سبيل الله([1]).

يقول الصادق (عليه السلام) : «احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم فليس شيء أعدى للرجال من إتباع أهوائهم وحصائد السنتهم» ([2]).

ويقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «إن أخوف ما أخاف عليكم إثنان : إتباع الهوى وطول الأمل فأما إتباع الهوى فيصد عن الحقّ وأما طول الأمل فينسي الآخرة» ([3]).

وكما أن تجاوز الهوى هو المرحلة الاُولى والأهم في حركة الإنسان التكاملية إلى الله... كذلك في الاستجابة للهوى السقوط والتردي الكامل للإنسان. ودرجة سقوط الإنسان وإنحطاطه الروحي والخلقي تتناسب تناسباً طردياً مع درجة إستجابته واستسلامه للهوى. يقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «أنكم إن أمّرتم عليكم الهوى أصمّكم وأعماكم وأرداكم» ([4]).

وعن الإمام الجواد (عليه السلام) : «من أطاع هواه أعطى عدوه (الشيطان) مناه» ([5]).

وقد عدّ الإسلام مكافحة (الهوى) الجهاد الأكبر، في الوقت الذي يعد فيه مكافحة (الطاغوت) الجهاد الأصغر.

عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) : «قال : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث سرية فلما رجعوا قال مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر، وبقى عليهم الجهاد الأكبر، قيل يا رسول الله وما الجهاد الأكبر ؟ قال : جهاد النفس» ([6]).

 

المقارنة بين الهوى والطاغوت :

والمقارنة هنا بين مكافحة الهوى ومكافحة الطاغوت تلفت الانتباه، فإن العقبة في طريق الإنسان إلى الله عقبتان : الهوى والطاغوت. وكلاهما يعيقان طريق الإنسان إلى الله... وللطاغوت دور بارز وفاعل ومؤثر في تحدي الأنبياء ورسالات الله وإعاقة حركة الأنبياء (عليهم السلام). والصراع بين الأنبياء والطاغوت أبرز أحداث التأريخ بل هو التأريخ، وما عدا ذلك أحداث على هامش التأريخ... ومع ذلك فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول أن مواجهة (الطاغوت) من (الجهاد الأصغر) ومواجهة (الهوى) من (الجهاد الأكبر).

 

الصيغة الإيجابية للتقوى :

والأداة المفضّلة والقوية في مكافحة الهوى ومجاهدة النفس في الإسلام هي التقوى. و(التقوى) هي ضبط النفس على حدود الله وأحكامه، وتحكيم حدود الله، وشريعة الله على تصرفات الإنسان وتحركه وعمله، وليست التقوى كبتاً للنفس، ولا حظراً على الإنسان من الإستجابة لرغبات النفس ومشتهياتها... وإنّما هي ضبط النفس فقط على حدود الله من الحلال والحرام، وفرض سلطان الحدود الإلهية على النفس.

ليست التقوى حرمان النفس من الإستجابة لمتطلباتها ورغباتها ومشتهياتها المحرّمة فقط وإنّما التقوى قبول سلطان الحدود الإلهية، وتحكيمها على النفس، والتمكّن من نزوات النفس ورغباتها، والتحرّر من سلطان الهوى، وانتزاع النفس من قبضة (الأهواء) و(الفتن).

والتقوى بهذا المعنى معنى إيجابي، وهو التمكّن من النفس، والقدرة على انتزاع النفس من سلطان الأهواء والشهوات، وليس معنىً سلبياً بمعنى ترك الحرام، وهي بهذا المعنى الشوط الأول لحركة الإنسان إلى الله.

 

الشوط الثاني من حركة الإنسان :

والمرحلة الثانية من هذه الرحلة هي العروج والصعود إلى الله، والدخول في دائرة ولاية الله تعالى، بعد أن يتمكن الإنسان من انتزاع نفسه من محور الأنا والذات والهوى، ولابدّ في الشوطين جميعاً من الطاعة، فهو العنصر المشترك في كلّ من هاتين المرحلتين، إلاّ أن المرحلة الاُولى تتميز بالتحرّر من محور الهوى والأنا، والمرحلة الثانية تتميز بالتحرّك للدخول في دائرة نفوذ وسلطان ولاية الله والارتباط بالمحور الإلهي.

ومعنى الارتباط بالله : أن يجعل الإنسان وجه الله تعالى هدفاً له في كلّ أعماله وتصرفاته ويخلص في كلّ أعماله لله : (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين)، ويجعل مرضاة الله محوراً ثابتاً لكلّ حياته وتصرفاته، ولا يبتغي غير مرضاة الله شيئاً، وأن يدخل بشكل كامل في دائرة ولاية الله، فلا يكون له رأي أو حكم، أو هوى أو حبّ، أو بغض، أو عمل، أو حركة، أو كلمة، في غير ما يحكم الله تعالى ويريد. ويحبّ ويبغض في الله، ويحكّم إرادة الله ومشيئته وحبّه وبغضه على قلبه وصدره وعقله وعواطفه وأحاسيسه وجوارحه وأعضائه. ويتجرّد عن كلّ صبغة، ورأي، وهوى، ويتخذ صبغة الله تعالى صبغة لنفسه، ويوجه نفسه، ورأيه، وهواه، وحبّه، وبغضه، حيث يريد الله، ويرضى به الله، ويمكّن حبّ الله من قلبه ونفسه، فلا يكون هناك شيء أحبّ إليه من الله ورسوله. فلن يكون الإنسان ذائباً في هذا المحور الربّاني، ولن يكون إيمانه من الإيمان الكامل، ولن يأمن عذاب الله ومكره إذا كان هناك في حياته شيء احبّ إليه من الله ورسوله. (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) ([7])ذلك أن هؤلاء لم يتمكنوا بعد من الانتقال من المحور الأول، ولم يتوفقوا في انتزاع أنفسهم من سلطان الآباء، والأبناء، والاخوان، والأزواج، والعشائر، والأموال، والتجارة، والمساكن، وما زالوا تحت سلطان ونفوذ هذه المغريات والمثيرات من متاع الحياة الدنيا، وعلاقاتها و(فتنها).

أما الذين آمنوا، والذين انتزعوا أنفسهم من سلطان الهوى، وارتبطوا بمحور الإيمان بالله، وولاية الله فإنهم أشدّ حبّاً لله من كلّ ذلك... وهذا هو معنى الانفصال من محور الأنا والانتقال إلى محور ولاية الله، (... والذين آمنوا أشدّ حبّاً لله...([8]).

وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) : «لا يمحّض رجل الإيمان بالله حتى يكون الله احبّ إليه من نفسه، وأبيه، واُمّه، وولده، وأهله، ومن الناس كلّهم» ([9]).

وعن الفضيل بن يسار قال سألت أبا عبدالله الصادق (عليه السلام) عن الحبّ والبغض أمن الإيمان هو ؟ فقال : «وهل الإيمان إلاّ الحبّ والبغض» ([10]).

وفي الحديث الشريف : «الدين هو الحبّ والحبّ هو الدين» ([11])

 

ذكر الله للعروج الى الله :

والأداة المفضلة والمؤثرة في تحكيم وتوثيق الإرتباط بين المؤمنين وبين الله عزّوجلّ، وتعميق الصلة والعلاقة بين العبد وربّه، وربط الإنسان بهذا المحور الربّاني في الحياة وإخلاص عمله وجهده لله تعالى... أقول إنّ الأداة التربوية المفضلة في الإسلام لتحقيق هذه الغاية هو (الذكر)، وإن للذكر دوراً كبيراً وأساسياً في ربط الإنسان بالله وفي إنشداده بهذا المحور الإلهي الذي تحدثنا عنه، وفي حركته التكاملية إلى الله.

فإن (الذكر) هو الصلة القلبية التي تربط الإنسان بالله وتجعله على ذكر منه، ويجعل الإنسان واعياً وشاعراً لحضور الله سبحانه وتعالى بصفاته وأسمائه الحسنى... ومستحضراً لعظمة الله وجلاله وجماله، وينبّه الإنسان إلى حضور الله، ويزيل عن نفسه الغفلة، يقول تعالى : (واذكر ربّك في نفسك تضرّعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدوّ والآصال ولا تكن من الغافلين([12]).

ويعصم صاحبه عن الذنب. روي عن الباقر (عليه السلام) : ثلاث من أشدّ ما عمل العباد ! إنصاف المرء من نفسه، ومواساة المرء أخاه، وذكر الله على كلّ حال، وهو أن يذكر الله عزّوجلّ عند المعصية يهمّ بها فيحول ذكر الله بينه وبين تلك المعصية وهو قول الله عزّوجلّ : (إنّ الّذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشّيطان تذكّروا فإذا هم مّبصرون([13]).

وسر هذه (العصمة) و (الحصانة) : إن الذكر إستحضار لسلطان الله وحضوره الدائم، واستحضار لحضور العبد في كلّ حالاته بحضور الله تعالى، وهذا الإحساس والوعي لحضور الله يعمّق في النفس حالة المراقبة الدائمة والإنتباه الدائم، ويحجز الإنسان عن الإنزلاق مع الشهوات والأهواء إلى معصية الله تعالى.

و (الذكر) إنفتاح العبد على جلال الله تعالى وجماله، وهذا الإنفتاح يشدّ الإنسان بالله تعالى ويملأ قلب العبد حبّاً له وشوقاً إليه واُنساً به.

عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «الذكر نور العقول وحياة النفوس وجلاء الصدور» ([14])و«ذكر الله مجالسة المحبوب» ([15]) و «الذكر يؤنس اللب» ([16])، إذن (الذكر) يؤنس الإنسان بالله تعالى، ويشوقه، ويحببه إليه، ويقرب الإنسان من الله كما يقرب الجليس من جليسه ويأنس به، وحاشاه وسبحانه من مشابهة خلقه ومجالستهم. وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «إن موسى بن عمران (عليه السلام) لما ناجى ربّه عزّوجلّ، قال : يا رب أبعيد أنت منّي فاُناديك أم قريب فاُناجيك ؟ فأوحى الله جلّ جلاله : أنا جليس من ذكرني» ([17]).

ومن الذكر الذكر الخفي ومنه الدعاء، والمناجاة، والأذكار الواردة، والصلاة : (... أقم الصلاة لذكري([18])، وفي الحجّ الكثير من الذكر، والجهاد لا يتم إلاّ بذكر الله واستحضار صفاته الجلالية والجمالية والشوق إلى لقاء الله، وإيثار لقاءه على الحياة الدنيا.

وعلى نحو الإجمال فإن العبادات في الإسلام تشتمل على الكثير من أبواب الذكر وألوانه، ولأهمية الذكر بشكل خاصّ فقد ورد الأمر بالإكثار من الذكر والمداومة على الذكر في النصوص الإسلامية.

يقول تعالى في الإكثار من الذكر : (يا أيّها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً * وسبّحوه بُكرةً وأصيلاً([19])، وفي الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «عليك بتلاوة القرآن وذكر الله كثيراً فإنّه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض» ([20]).

وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) : «أكثروا ذكر الله ما استطعتم في كلّ ساعة من ساعات الليل والنهار فإنّ الله أمر بكثرة الذكر له» ([21]).

وروي عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) في دوام الذكر : «المؤمن دائم الذكر كثير الفكر».

وفي وصية الإمام لابنه الحسن (عليهما السلام) : «وكن لله ذاكراً على كلّ حال» ([22])، وورد في الدعاء : «إلهي فألهمنا ذكرك في الخلأ والملأ، والليل والنهار، والأعلان والأسرار، وفي السرّاء والضرّاء وآنسنا بالذكر الخفي» ([23]).

وبعد : فهذا هو المنهج العلمي في الإسلام لحركة الإنسان من محور (الأنا) إلى (الله) ويتمّ هذا المنهج ضمن مرحلتين : المرحلة الاُولى في الإقلاع عن محور الذات والهوى، وأداة هذه المرحلة (التقوى)، والمرحلة الثانية في الارتباط بالمحور الإلهي والدخول في دائرة ولاية الله، وأداة هذه المرحلة (الذكر).

 

المنهج الأخلاقي في حركة الإنسان إلى الله :

وإلى جنب هذا المنهج العملي هناك منهج تربوي وأخلاقي في الإسلام يعين الإنسان في هذه المرحلة في الحركة من الأنا إلى الله، ويسرع عملية الإنفصال والانتقال التي تحدثنا عنها.

والفصل الأوّل من هذا المنهج يعين الإنسان على التغلب على النفس وأهوائها ونزواتها، مثل (الإيثار) و(الزهد) و(الجود) و(حسن الظن) الذي يكافح حالات (الحرص) و (الطمع) و (البخل) و(سوء الظن) في نفس الإنسان وغير ذلك من الوسائل الأخلاقية التي تمكن الإنسان من أهوائه وشهواته.

والفصل الثاني يعين الإنسان على الإرتباط بالله كالشكر، والتسليم لله، (والرضا بأمر الله)، والاُنس بالله، والحبّ، وما إلى ذلك من أبواب وفصول الأخلاق التي تعين الإنسان على الارتباط بالمحور الإلهي. وبهذه الطريقة المزدوجة (العملية ـ الأخلاقية ) يسعى الإسلام لنقل الإنسان من محور الأنا إلى محور ولاية الله.

ولايمكن أن يستغني الإنسان بأحد من المنهجين (العملي أو الأخلاقي) عن الآخر فإن طريق الإنسان في الانتقال من الأنا إلى الله طريق شاق عسير، وكادح : (يا أيّها الإنسان إنّك كادح الى ربّك كدحاً فملاقيه) ([24])، ولا يتيّسر للإنسان أن يسلك هذا الطريق الكادح والمتعب إلاّ بالتنفيذ الكامل لهذا المنهج الإسلامي المزدوج (المنهج العملي والأخلاقي).

 

وأستعينوا بالصّبر والصّلاة :

ومع كلّ هذا الإعداد التشريعي والتربوي للإنسان، فإنّ مشقة الطريق، وعناء الرحلة، والمزالق الخطرة على الطريق، وبعد الشُقة، وطول المعاناة، والمراصد المبثوثة للشيطان على إمتداد الطريق، هنا وهناك، ووعورة السير فيما بين هذين المحورين يؤدي بالكثير من الناس إلى التباطؤ، والضعف عن مواصلة السير، وإيثار العافية والراحة على وعثاء الحركة والسير، والتراجع، والتساقط أثناء السير، ولذلك يأمرنا القرآن الكريم بالصبر والصلاة في هذه المسيرة الكادحة دائماً : (واستعينوا بالصّبر والصّلاة وإنها لكبيرة إلاّ على الخاشعين([25])، الصبر على عناء الطريق، ووعثاء السفر، ومواجهة المتاعب.

والصلاة والدعاء، والاستعانة بالله، والاستمداد من حول الله وقوته في هذه المسيرة الصعبة والطريق الطويل فإذا إستسلم الإنسان للضعف والعجز وحبّ العافية والراحة فلن يتمكن من مواصلة السير، وإذا اطمأن إلى حوله وقوته، دون حول الله وقوته، ووثق بقدرته على الاستمرار في الطريق، دون أن يطلب العون والمدد في هذا الطريق من الله، فلا يكاد يتمكن من الاستمرار والمضي في هذه الرحلة الكادحة. فلابُدّ إذن في هذه المرحلة من (الصبر) ومن (الصلاة) معاً حتّى يتمكن الإنسان من الاستمرار والمضي على هذا الطريق الطويل.

 

ضريبة الحركة الى الله :

وبعد : فهذه النبذة إجمال شديد الاختصار لمسيرة الإنسان الكادحة من محور (الأنا) إلى محور (الله) والتي يقول عنها القرآن الكريم : (... إنّك كادح الى ربّك كدحاً فملاقيه)، وهذه الرحلة يقطعها الإنسان في عناء ومشقة بالغة : (لا اُقسم بهذا البلد * وأنت حلّ بهذا البلد * ووالد وما ولد * لقد خلقنا الإنسان في كبد([26])، فقد خلق الله تعالى الإنسان لهذه المسيرة الكادحة في وسط من العناء والجهد والمشقة والكبد، ولن ينال الإنسان حظه من الكمال الذي أعدّه الله تعالى له إلاّ في هذه الرحلة المحفوفة بالإبتلاء والعناء والآلام والكدح.

وليست هذه السنة الإلهية في الإبتلاء خاصة بهذه الاُمّة دون سائر الاُمم، وإنّما هي سنة لله تعالى عامّة، شملت من قبلنا من الاُمم، كما شملتنا، وأحاطت مسيرتهم بالعناء والإبتلاء، كما حفت مسيرتنا : (أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يأتكم مثلُ الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضرّاء...([27]).

 

الشهادة اختزال للحركة من الأنا الى الله :

والشهداء ـ وهنا نريد أن ننتقل إلى صلب الموضوع بعد هذه الجولة الواسعة في مسيرة الإنسان ـ يقطعون هذه المسيرة بحركة سريعة وقوية وخفيفة واحدة بالشهادة والتضحية، فتنقلهم الشهادة والتضحية مرّة واحدة من محور الأنا والهوى إلى محور الله، وتنتزعهم انتزاعاً كاملاً من الأهواء والشهوات، ومن كلّ العلاقات التي تربطهم بهذه الدنيا إلى محور ولاية الله نقلة واحدة من حبّ النفس وحبّ الدنيا إلى حبّ الله، ومن ولاية الطاغوت إلى ولاية الله، ومن الانهماك في لذات الدنيا إلى الاستغراق في رضوان الله تعالى، ومن ألوان التعلقات والحبّ والبغض التي تصبغ مشاعر الإنسان في هذه الدنيا إلى صبغة الله الفريدة.

هذه القفزة السريعة والخفيفة التي تنقل الإنسان مرّة واحدة من محور إلى محور هي من خصائص الشهادة. والشهيد عندما يُقدم على الشهادة، بوعي وبصيرة من أمره، ينتزع نفسه بحركة قوية وخفيفة واحدة من وسط كلّ العلاقات والصلات والأواصر التي تشدّه إلى هذه الدنيا من مال وبنين، وزوج، ومتاع الدنيا، ولذات، وشهوات، وجاه واعتبارات اجتماعية، وبحركة واحدة يقطع كلّ هذه الحبال، والخيوط، والوشائج التي تشدّه إلى الدنيا ويخفّ للصعود إلى الله.

أرأيت المنطاد عندما تتقطع الحبال التي تشدّه إلى الأرض كيف يخفّ للصعود ويرتفع إلى السماء ؟ كذلك الشهيد... لا يعيقه شيء بعد أن ينتزع نفسه من وسط هذه الأواصر الدنيوية عن التحرّك والصعود إلى الله.

إن الشهادة عملية مباركة مزدوجة : انتزاع النفس من أواصرها التي تشدّها بهذه الدنيا، والتي قوامها في هذه النفس، والصعود إلى الله ثمّ التحرّك إلى رضوان الله وقوامه الحبّ، والتسليم، والرضا، والطاعة، والذكر، واليقين.

 

نقلة الحرّ (رحمه الله) من محور الطاغوت الى محور الله :

فقد كان الحر بن يزيد الرياحي (رحمه الله) قائداً في جيش عمر بن سعد وكان يقع تماماً في الجهة المقابلة للحسين (عليه السلام)، فأنتقل في أحرج اللحظات بحركة سريعة وخاطفة إلى جبهة الحسين (عليه السلام) يقول أصحاب السير : إن الحر أقبل على عمر بن سعد وقال له : أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال : أي والله قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي. قال : ما لكم فيما عرضه عليكم من الخصال ؟

فقال عمر بن سعد : لو كان الأمر إليّ لقبلت، ولكنّ أميرك (ابن زياد) أبى ذلك  فتركه ووقف مع الناس، وكان إلى جنبه قرّة بن قيس فقال لقرّة : هل سقيت فرسك اليوم ؟ قال : لا.

قال : فهل تريد أن تسقيه ؟ فظن قرّة انه يريد الاعتزال، ويكره أن يشاهده، فتركه. فأخذ الحر يدنو من الحسين قليلاً، فقال له المهاجر بن أوس : أتريد أن تحمل ؟ فسكت وأخذته الرعدة، فإرتاب المهاجر من هذا الحال، وقال له : لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك، فما هذا الذي أراه منك ؟

فقال الحر : إنّي اُخيّر نفسي بين الجنّة والنار، والله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو اُحرقت، ثم ضرب جواده نحو الحسين (عليه السلام)، منكساً برأسه حياءً من الحسين حيث جعجع بهم في هذا المكان ([28]).

هكذا، في لحظات قصيرة، وسريعة، وبحركة خفيفة، ينتقل الحر من محور إلى محور، ومن موقع إلى موقع معاكس للأوّل تماماً، ويهاجر من إمارة جيش عمر بن سعد إلى جند الحسين، ومن الأنا إلى الله تعالى، وتلك هجرتان تتمان في اللحظات الأخيرة من حياته في لحظة قصيرة وسريعة.

 

نقلة زهير (رحمه الله) من ولاية الطاغوت الى ولاية الله :

ومثال آخر على هذه الحركة السريعة إلى الله تعالى ـ عبر الشهادة ـ هجرة زهير بن القين (رحمه الله). فقد كان عثماني الهوى. ولم يكن هواه مع آل محمّد (صلى الله عليه وآله)وقد حجّ البيت في عام (60هـ )، وكان يساير موكب الحسين (عليه السلام) في الطريق إلى العراق إلاّ أنّه كان يحرص ألاّ ينزل بالقرب من خيام الإمام، مخافة الاجتماع به، حتّى انتهت قافلة الإمام إلى (زرود)، فلم يجد زهير (رحمه الله) بداً من أن ينزل بخيامه
بالقرب من خيام الحسين (عليه السلام). فأرسل إليه الحسين (عليه السلام) رسولاً يدعوه إليه وكان زهير مع صحبه يتناولون الطعام، فابلغه الرسول دعوة الحسين فطرحوا ما في أيديهم من طعام، وكأنّ على رؤوسهم الطير، فأنكرت عليه زوجته ـ رحمها الله ـ ذلك. وقالت : «سبحان الله، يبعث إليك ابن بنت رسول الله ثم لا تأتيه ! لو اتيته فسمعت كلامه !». فانطلق زهير على كراهية منه إلى الإمام، فلم يلبث أن عاد مسرعاً، وقد تهلل وجهه وامتلأ غبطة وسروراً ثمّ أمر بفسطاطه وما كان عنده من ثقل ومتاع، فحوله إلى خيام الإمام. وقال لزوجته : «أنتِ طالق»، ثم قال لأصحابه ساُحدثكم حديثاً : «غزونا (بلنجر) ([29]) ففتح الله علينا، وأصبنا غنائم، ففرحنا وكان معنا سلمان الفارسي. فقال لنا : أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم ؟ فقلنا : نعم، فقال : إذا أدركتم سيد شباب آل محمّد، فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه مما أصبتم اليوم من الغنائم» ([30]).

وينقلب زهير (رحمه الله)، وينقلب هواه من بني اُمية إلى آل علي، وينتزع نفسه من كلّ ما تربطه بهذه الدنيا، حتّى زوجته التي أنكرت عليه تباطؤه عن استجابة دعوة الحسين (عليه السلام)، حتّى يستطيع أن يخفّ للقاء الله.

ولما جمع الحسين (عليه السلام) أصحابه وأهل بيته قرب المساء قبل مقتله بليلة، فقال لهم : «إنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ، ليس عليكم منّي ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم فإن القوم إنّما يطلبوني، ولو أصابوني لذهلوا عن غيري، قال زهير بعدما سمع كلام الحسين (عليه السلام) : والله لوددت أنّي قتلت، ثم نشرت، ثم قتلت، حتّى اُقتل كذا ألف مرّة، وإنّ الله عزّوجلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك» ([31]).

هكذا تحرّر الشهادة الإنسان من كلّ القيود، والأواصر التي تربطه بالحياة الدنيا مرّة واحدة، وبقوّة وخفّة، وتدفعه إلى لقاء الله.

فالشهادة إذن إختزال شديد، واختصار للطريق بين هذين المحورين. والمسافة التي يقطعها عامة الناس بتكلف، وتعثر، ومشقّة، يتعثر فيها اُناس، ويتساقط فيها آخرون، ويضعف عن السير فيها قوم ويقوى عليه آخرون... يقطعها الشهيد بوعي، وبصيرة، وقوّة، وثبات، في لحظات قصيرة، وحركة خفيفة، تنتزعه من الدنيا، وتعرج به إلى لقاء الله.


 

-----

 

ثـأر الله

 

القيمة الحركية للشهادة

تحدثنا في الفصل السابق بشيء من التفصيل عن القيمة الذاتية للشهيد ودور الشهادة في نمو وتكامل شخصية الشهيد. والآن نتحدث من البعد الثاني (الاُفقي) للشهادة : دور الشهيد في تحريك المجتمع، والقيمة الحركية للشهادة في حياة الاُمّة.

ونبدأ حديثنا عن الشهيد من مادة إشتقاق هذه الكلمة ومنها نسترسل في الحديث عن دور الشهيد في تحريك المجتمع.

(الشاهد) و (الشهيد) بمعنى واحد تقريباً فإن الشاهد إسم الفاعل من هذه الكلمة، والشهيد فعيل بمعنى الفاعل كالنصير والناصر.

 

وقفة عند إشتقاق كلمة (الشهيد) :

وأصل الإشتقاق في هذه الكلمة : (الشهود)، و(الشهادة) وهما بمعنى الحضور; يقال : شهد المعركة : أي حضرها. وفي المصطلح الشرعي الشهادة تستعمل في معنيين :

1 ـ تحمل (الشهادة) بمعنى الحضور والرؤية; فإنّ الشخص الذي يحضر وقعة ويراها عن قرب، رؤيّة حسّية واضحة يتحمل مسؤولية هذا الحضور والرؤية، فإذا حضر جريمة وشهدها، تحمل مسؤولية هذه الرؤية والشهادة، وكأنّما تحمله هذه الشهادة مسؤولية شرعية يجب عليه أن يبرّئ ذمّته منها.

2 ـ أداء الشهادة : وهذا المعنى شائع أيضاً في استعمالات الشهادة، فإذا بلّغ الشاهد ما شهده أدّى ما تحمله من مسؤولية الشهادة، ولا يتحلل الشاهد من مسؤولية الشهادة حتّى يؤديها ويبلغها.

والشهادة بهذا المعنى هي معيار وملاك الحكم للقاضي إذا كان الشاهد عدلاً. ففي كلّ واقعة يختلف فيها الأطراف قد يجنح فيها بعض الأطراف أو كلّ الأطراف عن الحقّ، فيأخذ القاضي بشهادة الشاهد، فإن أمانة الأداء تتطلب منه أن يؤدي ما رآه بالحس من الواقعة، ويعتبر القاضي هذه الشهادة ملاكاً للقضاء ويحكم بموجبها، إذا تمت الشهادة بالموازين الشرعية، فيكون الشاهد بهذا المعنى ملاكاً للحكم ودليلاً عليه.

 

الشهيد مقياس للتقييم :

وأحتمل أن تكون تسمية الشهيد بالشهيد متأثرةً بالمعنى الثاني وهو أداء الشهادة.

فإن (الشاهد) و (الشهيد) يستعملان بمعنى الدليل والميزان والمعيار والمقياس الذي نزن به الأحكام والاُمور كثيراً. وهو معنى قريب من المعنى الثاني للشهادة الذي أشرنا إليه قريباً.

والقرآن، وإن كان لم يستعمل هذه الكلمة في معناها المصطلح إلاّ أنّه استعمل هذه الكلمة في هذا السياق بالذات. يقول تعالى : (وكذلك جعلناكم اُمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً...([32]).

وهذه الآية تصرّح بأن الاُمّة المؤمنة بالله ـ المعتدلة ـ شهيدة على الناس، والرسول شهيد على هذه الاُمّة، فماذا يمكن أن يكون معنى الشهيد في هذه الآية الكريمة في الشهادتين جميعاً : شهادة الاُمّة المؤمنة على الناس، وشهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الاُمّة ؟

وبأي ملاك تكون هذه الاُمّة شهيدة على الناس جميعاً، ويكون الرسول (صلى الله عليه وآله)شهيداً عليها ؟

أعتقد أنّ الإجابة على التساؤل الثاني يفتح الطريق للإجابة على السؤال الأوّل. إنّ الملاك الذي جعل هذه الاُمّة شهيدة على سائر الناس هو الإعتدال والوسطية وعدم الجنوح إلى اليمين واليسار، وهذا الاعتدال والوسطية يؤهّلها، لتكون شهيدة على الناس، ونفس الملاك ـ بالتأكيد وبدلالة السياق ـ هو السبب في شهادة الرسول (صلى الله عليه وآله) على الاُمّة وهذا التفسير واضح من متن الآية الكريمة : (وكذلك جعلناكم اُمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس...).

إذن، سِرُّ الشهادة كامن في حالة الاعتدال والوسطية بالذات، وهذه الحالة هي التي تؤهل الاُمّة لكي تكون شهيدة على الناس.

إنّ الناس يجنحون لليمين واليسار في الأكثر، وترى هذه الكتل البشرية تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتتلاعب بهم أمواج الفتن والشهوات والأهواء والأنفعالات النفسية والمصالح والعواطف في إتجاهات شتى، ولابُدّ لهذه الكتل البشرية التائهة والضائعة في هذا الخضم البشري الواسع من (معالم محسوسة) وملموسة في الطريق، تستهدي بها وتميّز بها الصحيح من السقيم،
والاستقامة من الإعوجاج والهدى من الضلال كما لابدّ لها من (كتاب) ووحي وشريعة وتعاليم، ولا يغني أحدهما عن الآخر.

لابدّ لها من تعاليم ودروس وتوجيهات، ولابدّ لها كذلك من معالم ملموسة وقائمة على الطريق.

والخاصية المطلوبة في هذه المعالم: أن تكون معتدلة ومتوسطة وعلى الطريق تماماً، ليس على اليمين ولا على اليسار، ولا تجنح إلى يمين أويسار.

وعند ذلك يمكن أن تكون (معالم) على الطريق، يهتدي الناس بمواقعهم ومواقفهم قبل أن يهتدوا بكلامهم وتوجيهاتهم.

فمن الناس من يكون موقفه وموقعه حجة على الآخرين، فيهتدي الناس بمواقفه ومواقعه وأعماله كما يهتدون بكلامه ورأيه وتوجيهه، وهؤلاء هم (القدوات) في حياة الناس و(معالم الطريق) على الطريق.

وهؤلاء سكوتهم وكلامهم وحركتهم وسكونهم وغضبهم وثورتهم وقيامهم وقعودهم قدوة للآخرين وحجة عليهم.

وهؤلاء هم الشهداء لأنّهم مقاييس للآخرين ومعالم على الطريق، ومعايير للحكم وللحق، كما يكون (الشاهد) معياراً للقاضي في معرفة الحقّ من الباطل، وتمييز الصحيح من السقيم، وفرز الرديء عن الجيّد.

 

هذه الاُمّة شهيدة على سائر الاُمم:

وبهذا المعنى: فإن هذه الاُمّة ـ بما هداها الله تعالى إلى الوسط من الطريق، وبما منحها الله من الاعتدال في الرأي والحياة ـ شهيدة على سائر الناس وقدوة لهم، ومعلم على الطريق ومقياس للناس في تصحيح أعمالهم وحركاتهم.

إنّ هذه الاُمّة ـ المتوسطة ـ تصلح لأن تكون المقياس الذي يقيس به الناس أنفسهم، ويصححون به أعمالهم وتحركاتهم.

لقد أراد الله تعالى لهذه الاُمّة أن تكون قدوة للناس جميعاً، وأن تكون شهيدة على الناس جميعاً، ومعلماً على طريق الناس، وأن تكون أفعالهم ومواقعهم مثالاً ونموذجاً للناس جميعاً.والذي يؤهل هذه الاُمّة لهذا الموقع الرائد هو; الاعتدال والتوسط في التفكير والعمل : (وكذلك جعلناكم اُمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس...).

وكما أن الله تعالى أراد لهذه الاُمّة أن يكون لها موقع السيادة واالقيادة والحاكمية على وجه الأرض وعلى الناس كذلك، أراد الله تعالى لهذه الاُمّة أن يكون لها موقع القدوة والريادة على وجه الأرض وبين الناس.

 

ورسول الله شاهد على هذه الاُمّة :

وبنفس الملاك فإن الرسول (صلى الله عليه وآله)يحتل موقع القدوة والريادة من هذه الاُمّة: (...ويكون الرسول عليكم شهيداً...) (ولقد كان لكم في رسول الله اُسوة حسنة..)([33]). كما يحتل موقع القيادة والإمامة والحاكمية من حياة هذه الاُمّة : (النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم...) ([34]). هذا إلى موقع التبليغ والرسالة : (...وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا...) ([35])

 

عودة الى مصطلح (الشهيد) :

والآن نعود إلى الشهيد في المصطلح الإسلامي ضمن هذه الصورة القرآنية; فالشهيد ضمن هذا التصوّر يعتبر مقياساً في حياة الاُمّة، يقيسون به أنفسهم، وأساساً لمعرفة الحقّ والباطل وتمييز الرديء عن الجيد. إن الشهيد تبلور للصدق والعطاء والوعي والبصيرة، يقيس به الناس أنفسهم، وعطاءهم ووعيهم، وصدقهم، وبصيرتهم، واستقامتهم و... والشهيد المثل الأعلى دائماً في حياة الناس وهو القمة في كلّ ذلك.


 


([1]) ص / 26.

([2]) سفينة البحار 1 / 728 «هوى».

([3]) نهج البلاغة / الكلام 42 صفحة 83 .

([4]) غرر الحكم / 292.

([5]) المحجة البيضاء 5 / 49.

([6]) بحار الأنوار 17 / 116.

([7]) التوبة / 24.

([8]) البقرة / 165.

([9]) بحار الأنوار 70 / 24.

([10]) الكافي 2 / 125.

([11]) نور الثقلين 5 / 205.

([12]) الاعراف / 205.

([13]) بحار الأنوار 93 / 379. والآية في سورة الاعراف / 201.

([14]) غرر الحكم / 111.

([15]) غرر الحكم / 369.

([16]) غرر الحكم / 101.

([17]) بحار الأنوار 93 / 153.

([18]) طه / 14.

([19]) الاحزاب / 41 ـ 42.

([20]) بحار الأنوار 92 / 198.

([21]) بحار الأنوار 93 / 160.

([22]) بحار الأنوار 42 / 203.

([23]) بحار الأنوار 94 / 151.

([24]) الانشقاق / 6.

([25]) البقرة / 45.

([26]) البلد / 1 ـ 4.

([27]) البقرة / 214.

([28]) مقتل المقرّم / 265 ـ 266.

([29]) احتمل أن الكلمة الصحيحة هي (بالبحر). وقد بدأت عساكر المسلمين في ذلك التاريخ                  غزوات البحر ولكن الكلمة وردت خطأ بأقلام بعض النساخ بلنجر. وقد وردت الكلمة في         بعض المصادر بالبحر.

([30]) حياة الامام الحسين (عليه السلام) للشيخ باقر القرشي 3 / 66 ـ 67. نقلاً عن الارشاد / 264.              وتأريخ ابن الاثير 3 / 177. وانساب الاشراف ق 1 / 1. والدر النظيم / 167.

([31]) مقتل الحسين (عليه السلام) للمقرّم / 234 ـ 235.

([32]) البقرة / 143.

([33]) الاحزاب / 21.

([34]) الاحزاب / 6.

([35]) الحشر / 7.

 

 

 

 

التوجيه بـ (التثقيف) و (القدوة) :

لابُدّ في هذه المسيرة الربّانية على وجه الأرض، وفي حياة الناس من (قدوات) للاقتداء والتأسي كما لابُدّ من معلمين وموجهين للتعليم والتوجيه والتثقيف، ولا يغني أحدهما عن الآخر.

فإن التحرّك على طريق ذات الشوكة يكلّف الإنسان الكثير، ويتطلب منه العناء والعطاء، والتضحية والصدق، ولا يتيسر للإنسان أن يتجرد لهذه المسيرة الإلهية بسهولة ويسر. ولابُدّ من توجيه وإعداد وتربية، وتثقيف مركّز للدعاة إلى الله تعالى وللمؤمنين عامة، ليتمكنوا من مواصلة السير والاستمرار على الطريق، ولئلاّ يتيهوا في متاهات الطريق، ويخضعوا لإغراءات الشيطان ومزالق النفس... وهذا الإعداد والتوجيه يتم على شكلين هما :

1 ـ (الالقاء) والتثقيف.

2 ـ (القدوة).

ولا تقل قيمة التوجيه والإعداد بـ (القدوة) عن قيمة التوجيه والإعداد بـ (التثقيف).

والقرآن الكريم يشير إلى كلّ من هذين النحوين من التوجيه. يقول تعالى :

(هو الذي بعث في الاُميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة...([1]).

لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتلو على الناس آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. وهذا يدخل في حقل التعليم والتثقيف، وهو الشطر الأول. من شطري عملية الإعداد، والشطر الآخر هو التربية بـ (القدوة الصالحة)، على طريق ذات الشوكة (ولقد كان لكم في رسول الله اُسوة حسنة).

ان دور (التثقيف) في إعداد الناس هو دور التوجيه و (الدلالة); بينما دور القدوة هو دور القيادة الى الله تعالى. المعلم المربي يَدُلُكَ إلى الله تعالى دلالة، بينما (القدوة الصالحة) يأخذك معه إلى الله.

وان الإنسان ليعطي للمعلم سمعه وعقله ولكنه عندما يجد قدوة صالحة يعطيه سمعه وعقله وقلبه جميعاً، ويمكّنه من عقله وقلبه ليقوده إلى الله تعالى.

 

القدوة والاُسوة على طريق ذات الشوكة :

إن حضور القدوة الصالحة على أرض المعركة، ينفع العاملين في أمرين، يأخذون منهم صبرهم وجهادهم وعطائهم، وترفعهم عن الدنيا من جانب، ومن جانب آخر يشهدون إمداد الله تعالى لهم، وتمكينهم من المجابهة وتثبيتهم على أرض المعركة ويشهدون معيّة الله تعالى لهم.

وهذهِ الإيحاءات الرسالية التي تعطيها حياة القدوات الصالحة لا تتأتى دائماً من الدرس والتعليم.

إنّ (القدوة الصالحة) توطئ طريق ذات الشوكة الطويل للعاملين والسائرين.

فعلى رأس كلّ منعطف، وعند كلّ صعود وهبوط، وعند ملتقى كلّ طريق، وفي كلّ غمرة من غمرات السير والحركة، وعندما تهب العواصف العاتية في وجوه العاملين، وكلّما يتغلب اليأس والتعب والخوف على نفوس المؤمنين السائرين يلتقي العاملون السائرون على طريق ذات الشوكة بهذه القدوات الربّانية. يلتقون بأنبياء الله (عليهم السلام) إبراهيم ويحيى وعيسى وموسى وأيوب وهود وصالح ونوح وزكريا، فيطمئنون إلى معية الله تعالى وإمداده لهم في وحشة الطريق والتباس الاُمور; وظروف الإرهاب والملاحقة والمطاردة... يطمئنون إلى معية الله وإمداده من خلال حركة وعمل هؤلاء الربّانيين السائرين على الدرب الطويل باطمئنان وثقة وصدور منشرحة.

يقول تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) وهو يريد أن يثبت قدمه على أرض المعركة : (اُولئك الذين آتيناهم الكتاب والحُكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين * اُولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده...) ([2]).

ويقول تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) بعد أن يذكّره بمعاناة الأنبياء وقصصهم وصبرهم ودأبهم على السير والعمل في سورة هود : (وكُلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبّت به فؤادك وجاءك في هذه الحقّ وموعظة وذكرى للمؤمنين([3]).

فيثبت الله فؤاد نبيّه (صلى الله عليه وآله) بسيرة هؤلاء الصالحين.

يالله ما هذا الأمر العظيم الذي يثبت تعالى به فؤاد نبيّه (صلى الله عليه وآله) ؟.

ذلك هو القدوة الصالحة والحضور الرسالي الحيّ للربانيين على ساحة المعركة وعمارة الطريق الطويل بنجوم الهدى، ومعالم الطريق : (قد كانت لكم اُسوة حسنة في إبراهيم والذين معه...([4])(لقد كان لكم فيهم اُسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر...) ([5]).

وقد جعل الله تعالى من أنبياء السلف قدوات صالحة لنبيه (صلى الله عليه وآله)، يثبت بهم فؤاده (صلى الله عليه وآله) وأفئدتنا، وجعل لنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدوة صالحة نستهدي به وتطمئن به قلوبنا، وأفئدتنا ونفوسنا في زحمة الصراع، ومخاوف الطريق : (لقد كان لكم في رسول الله اُسوة حسنة...([6]). إن حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعناؤه وجهاده ومثابرته وصبره واستقامته قدوة لكلّ العاملين.

وعلى الدعاة إلى الله أن يقرؤوا بإمعان سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحياته العامّة والخاصّة، وعناءه، وحركته في مكّة، وبعد الهجرة، وسيرته في الحرب والسلم، وقبل إعلان الدعوة وبعدها، وقبل اعلان الحرب على المشركين وبعدها ومع المؤمنين ومع الأعداء، فإنّها للعاملين نور وهدى وقدوة صالحة ومثل أعلى يحتذي به المؤمنون.

 

الشهيد قدوة :

و(الشهيد) قدوة صالحة في طريق العاملين، وهذه الكلمة على وجازتها تشكل كلّ قيمة الشهيد في حركة التأريخ وتحريك الاُمّة.

والقيمة الحركية للشهيد تعود إلى هذه الحقيقة بالذات، فإنّ الشهيد عندما يتحوّل إلى (قدوة) للعمل الصالح وللعطاء والتضحية في حياة الناس، يستطيع أن ينقل هذه القيم من جيل إلى جيل.

وهذه خاصة من خصائص (القدوة) في الحياة الاجتماعية، أنّه يسهّل ويسرّع عملية نقل القيم الحضارية من جيل إلى جيل، ويعمّق هذه القيم في حياة الناس. وهذه القيم كلّما تنتقل من جيل إلى جيل تتسع دائرتها من الناحية الكمية، وتتعمق وتترسخ من الناحية الكيفية.

وهذه الحقيقة تصح بشكل دقيق في أصل التضحية والعطاء فقد يتصوّر بعض الناس أنّ الشهادة تفقد الاُمّة النخبة الصالحة من أبنائها، وما تحمل هذه النخبة من قيم ومزايا إيمانية وأخلاقية وجهادية.

والأمر على العكس تماماً فإنّ الشهادة لا تعتبر خسارة مهما كانت قيمة الشهيد، وحجم الشهداء وعددهم، بل هي ربح ونمو وبركة في حياة الاُمّة، وحتّى في الحسابات المادية.

والحديث التالي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوضح لنا هذه الرؤية الإيجابية للشهادة.

خطب النبيّ (صلى الله عليه وآله) المسلمين في المدينة في اليوم الذي أستشهد فيه زيد، وجعفر وعبدالله بن رواحة (رحمهم الله) في حرب مؤتة مع الروم، وأخبرهم بإستشهاد زيد، وجعفر، وعبدالله، فقال (صلى الله عليه وآله) : «أخذ اللواء زيد، فقاتل به فقتل، رحم الله زيداً، ثم أخذ اللواء جعفر، وقاتل، وقُتل رحم الله جعفراً. ثم أخذ اللواء عبدالله بن رواحة وقاتل، فقتل، فرحم الله عبدالله».

فبكى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم حوله فقال لهم النبيّ (صلى الله عليه وآله) : وما يبكيكم ؟ قالوا : وما لنا لا نبكي وقد ذهب خيارنا، وأشرافنا، وأهل الفضل منا ؟ فقال لهم (صلى الله عليه وآله) : «لا تبكوا فإنما مثل اُمتي مثلُ حديقة قام عليها صاحبها فأصلح رواكبها، وبنى مساكنها، وحلق سعفها، فاطعمت عاماً فوجاً، ثم عاماً فوجاً، فلعلّ آخرها طعماً أن يكون أجودها قنواناً وأطولها شمراخاً، والذي بعثني بالحقّ نبياً، ليجدن عيسى بن مريم في اُمتي خلفاً من حوارييه» ([7]).

 

الوعي والعطاء :

ويتساءل السائل : وفيم يكون الشهيد قدوة ؟ وكيف ؟

دم الشهيد يجسد نقطتين أساسيتين في حياة الإنسان وفي مسيرة الحركة الإسلامية، وهما : (الوعي) و (العطاء).

وهاتان النقطتان تعتبران أساسين لقيمة دم الشهيد وبهما يكون الشهيد قدوة للآخرين، فهذا الدم يجسد أولاً مستوىً رفيعاً من الوعي والبصيرة واليقين.

وهذه هي النقطة البارزة الاُولى في قيمة دم الشهيد، ولا قيمة للدم من دون هذا اليقين والوضوح، والدم الذي يراق من غير يقين من الانتحار وليس من الشهادة في شيء.

إنّ لدم الشهيد جذوراً تأريخية ضاربة في عمق التاريخ، وأهدافاً وغايات حضارية يرتبط بها الدم.

أما الغايات والأهداف التي يحققها دم الشهيد فهي تحكيم شريعة الله وإراداته تعالى على وجه الأرض، ومجاهدة الهوى والطاغوت، وتعميق خط الحضارة الربّانية في الأرض، وفي حياة الإنسان، وإنقاذ الإنسان من شَرَك الهوى والطاغوت.

أما الاُصول والجذور التأريخية لدم الشهيد، فإنه يجري في إمتداد تيار عميق وواسع من الدماء والدموع والجهود والمعاناة والآلام والعذاب والصمود والصبر والجهاد في التاريخ.

وفي هذا الإطار التأريخي والرسالي يكتسب دم الشهيد قيمته الرسالية والحركية.

وهذه الأهداف والغايات والعمق الحضاري هي التي تمنح الشهيد هذا الوعي والبصيرة واليقين الذي تحدثنا عنه، وإلاّ فكثير من الناس يبذلون أموالهم ودماءهم، ولن تعود عليهم هذه التضحية بجدوى، ولن تخرجهم من دائرة نفوذ الهوى، ولن تدخلهم في دائرة الهدى. (قل هل ننبّئكم بالأخسرين أعمالاً * الّذين ضلّ سعيّهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً([8]).

ولا يشك أحدٌ في صدقهم في العطاء والتضحية، وأي عطاء وتضحية أكثر من التضحية بالنفس، ولكن من دون أن يكون نابعاً من نبع الوعي والوضوح واليقين، بل هو الهوى يزيّن لهم أعمالهم ويخدعهم ويريهم الحقّ باطلاً والباطل حقّاً، ويسلبهم الرؤية والبصيرة وهؤلاء هم ضحايا على مذابح الهوى، وهم يتصوّرون أنّهم أصحاب مبادئ وقضايا.

فاليقين والوعي هو الأساس الأول في تقييم دم الشهيد، ومن دون ذلك لا قيمة للدم مهما كانت التضحية; وقد ورد في الحديث عن أميرالمؤمنين عليّ (عليه السلام) : «نوم على يقين خير من صلاة في شك». وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : «ان العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين» ([9]).

 

ضحايا انعدام الوعي :

ومن ضحايا إنعدام الوعي واليقين في تأريخ الإسلام (الخوارج) كانوا يلتزمون بالحلال والحرام ويتقيدون بأحكام الله، ويتورعون عن الحرام، ولكن ذلك كلّه من دون وعي ولا بصيرة ولا يقين، ولقد كانوا يريقون الدماء المحرمة الزاكية من دون ورع ولا تقوى، ثم يتورعون عن أن يأخذ أحدهم ثمرة سقطت من نخلة; يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة :

ولقيهم (أي الخوارج) عبدالله بن الخباب (من أصحاب أميرالمؤمنين وابن الصحابي الجليل الخباب (رحمهما الله)) وهو راكب على حمار ومعه امرأته وهي حامل، فقالوا : إنّ هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتلك (وكان يحمل معه قرآناً) فقال لهم : ما أحياه القرآن فاحيوه، وما أماته فأميتوه، فوثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة، فوضعها في فيه، فصاحوا به، فلفظها تورعاً.

وعرض لرجل منهم خنزير فضربه فقتله، فقالوا : هذا فساد في الأرض وأنكروا قتل الخنزير.

ثم قالوا لابن الخباب : حدثنا عن أبيك، فقال : إني سمعت أبي يقول سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقول : ستكون بعدي فتنة، يموت فيها قلب الرجل، كما يموت بدنه، يمسي مؤمناً، ويصبح كافراً، فكن عبدالله المقتول، ولا تكن القاتل، قالوا : فما تقول في علي (عليه السلام) بعد التحكيم والحكومة ؟ قال : إنّ علياً أعلم بالله وأشد توقياً على دينه وأنفذ بصيرة، فقالوا : إنّك لست تتبع الهدى، إنّما تتبع الرجال على أسمائهم، ثم قربوه إلى شاطئ النهر، فاضجعوه فذبحوه.

قال أبو العباس : وساوموا رجلاً نصرانياً بنخلة له، فقال : هي لكم. فقالوا : ما كُنّا لنأخذه إلاّ بثمن. فقال : واعجبا ! أتقتلون مثل عبدالله بن الخباب ولا تأخذون نخلة إلاّ بثمن ([10]).

وكان أميرالمؤمنين يخاطب الخوارج فيقول لهم : «فأنا نذير لكم أن تُصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر، وبأهضام هذا الغائط، على غير بيّنة من ربّكم ولا سلطان مبين معكم...» ([11]).

ومرّ أميرالمؤمنين بقتلى الخوارج يوم النهروان فقال : بؤساً لكم لقد ضرّكم من غرّكم. فقيل له : من غرّهم يا أميرالمؤمنين ؟ فقال : الشيطان المضلّ، والأنفس الأمارة بالسوء، غرتهم بالأماني وسمحت لهم بالمعاصي، ووعدتهم الاظهار فاقتحمت بهم النار.» ([12])

وقتل رجل من الأصحاب فعرف بقتيل الحمار، وذلك أنه رأى مشركاً على حمار فأعجبه الحمار، وبرز له ليقتله ويسلب منه حماره، فقتل فعرف بقتيل الحمار، فلم يظفر بالحمار ولا بالشهادة; وهذا هو الأساس الأول في تقييم دم الشهيد.

 

العطاء :

والأساس الثاني في تقييم دم الشهيد : العطاء والتضحية; فالشهيد يعتبر قمّة في العطاء والتضحية، وليس بعد هذه القمة قمة، فإن الجود بالنفس أقصى غاية الجود.

والشهيد يبذل لله تعالى كلما يملك، ولا يدخر لنفسه شيئاً ـ ، فحقيق أن يرزقه الله كل ما يتمنى من رحمته.

وما أروع ما نقل عن السيد مهدي بحر العلوم (رحمه الله) حيث لفت نظره كثرة ما يروى من الثواب لمن زار الحسين (عليه السلام) فسأل اُستاذه عن سرّ ذلك. فقال له :

إنّ الحسين (عليه السلام) عبد فقير من عباد الله، أعطى كلّ ما يملك لله من غير تردّد، وحقيق بالله وهو الغني المطلق الذي لا حدود لخزائن رحمته، أن يعطيه من خزائن رحمته من غير حساب وفوق حساب الحاسبين.

والعطاء هو التصديق العملي للإيمان. فمن الناس من لا تصدق أعمالهم إيمانهم... إذا وقفوا في مواجهة أئمّة الكفر وفي مواجهة المنكرات، وليس دائماً ينشأ هذا التخالف بين الإيمان والعمل من الغموض والشكّ ـ وإن كان يؤدي إليه دائماً ـ وإنّما ينشأ أحياناً عن ضعف في النفس، وحبّ للدنيا، وإيثار للعافية، فيتخلف الموقف العملي للإنسان عن إيمانه وعقيدته، وتكون نتيجته الشح والبخل.

والقرآن الكريم دقيق في تعبيره عن العلاقة بين الإيمان النظري والصدق في الموقف العملي، حيث يقول تعالى : (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً([13]).

فليس كلّ المؤمنين صادقين في العمل، والفعل، في عهودهم مع الله تعالى، بل منهم الصادقون ومنهم غير ذلك، رغم إنهم مؤمنون، لكنهم لم يصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وتخلفوا في العمل عن الإيمان، وهذا النموذج من الناس شائع في مجتمعنا اليوم، وفي التأريخ.

إن التضحية تعتبر أعلى درجات التفاعل النفسي والعاطفي مع الإيمان والعقيدة.

إن الإيمان قد يكون إيماناً عقلياً مجرداً ذا صبغة عقلية رياضية خالصة، إيماناً أكاديمياً لا يغيّر شيئاً من واقع حياة الإنسان ولا يصنع حباً ولا بغضاً ولا ولاءً ولا براءة، وليس له جذب ولا دفع في حياة الناس، وهذا هو إيمان الفلاسفة، الذين يعرفون الله من خلال المعادلات والقوانين الفلسفية، إيمان الفارابي وابن سينا وديكارت وإيمانوئيل كانت.

أمّا إيمان الشهداء فشيء آخر يختلف عن هذا الإيمان، إنّه عُمْلة ذات وجهين : وجه للعقل ووجه آخر للعاطفة والحب والشوق والولاء والحب والعطاء والإيثار والفعل والانفعال.

ترقُّ العاطفة حتّى تكون حباً، ويسمو البذل حتّى يكون تضحية. وما أجمل كلام هذا الشاعر الذي يحدثنا على لسان الحسين (عليه السلام) في مناجاة والهة مع الله تعالى يوم عاشوراء على مسرح الحبّ والشهادة :

تركت الخلق طراً في هواكا *** وايتمت العيال لكي أراكا

فلو قطعتني في الحب اِرباً *** لما مال الفؤاد الى سواكا

إيمان الشهيد خليط من هذين الأمرين معاً : إيمان وحبّ، إيمان يصدّق الحبّ، وحبّ يصدّق الإيمان، مزيج من العقل والعاطفة يمزج بين منطق الفلاسفة والحكماء وعاطفة المحبين الوالهين.

دم الشهيد تعبير رائع عن هذا المزيج المقدس من العقل والحبّ، من منطق الحكماء، ووله المحبين، ومن استحكام العقل وقوته وجاذبية الحبّ وفورانه.

وهذا التفاعل النفسي هو الذي يؤهل النفس للعطاء والتضحية. إن العقل وحده، والإيمان وحده لايكفي ليبلغ الإنسان هذا المستوى الرفيع من تجاوز الذات، والإيثار، والتضحية.

ولكي يبلغ الإنسان هذه القمة من الكمال لابُدّ له من مدرسة اُخرى ومنطق آخر وإعداد آخر; وهي مدرسة الحبّ ومنطق المحبين. والعطاء الذي يكّون الشطر الآخر من شخصية الشهيد : نابع من هذا النبع.

وهذان الأساسان (اليقين والعطاء) هما الأساس والمفتاح لفهم قيمة الشهيد ودوره في تحريك المجتمع، ولابُدّ من أن نبسط القول في هذه النقطة بعض البسط.

 

التخلف في الوعي والعطاء :

قلنا : إنّ الشهيد قدوة للمجتمع وللأجيال في مسألتين أساسيتين هما : الوعي والعطاء.

والتخلف عن الأوّل يعرّض الاُمّة للإنحراف عن طريق الله، والتخلف عن الثاني يصيب الاُمّة بالعجز عن التحرك، والضعف والتعب واليأس.

وأكثر مشاكلنا السياسية والفكرية والحضارية والحركية تنبع من هذين : التخلف في الوعي، والتخلّف في العطاء.

والشهيد قدوة رفيعة للوعي والعطاء معاً.

وقد لا يتبيَّن في النظرة الاُولى أثر كلّ شهيد في مسيرة الحركة، ولكن الذين يرزقهم الله القدرة على رؤية المسيرة الربانية الكبرى على وجه الأرض يرون دائماً ـ إلى جنب كلّ مسيرة حاشدة بالمؤمنين إلى الله ـ نهراً من الدم ومسيرة حافلة بالشهداء يموّن هذه المسيرة ويمدها بالعزم والقدرة على المواصلة وتحدي الصعاب.

إنّ دماء الشهداء تهب الأحياء عزماً على الاستمرار، ومواصلة الحركة والسير، وقوّة على تجاوز العقبات والصعاب، وتهبهم القدرة على نكران الذات، وتجاوز النفس، والترفع عن صغائر الاُمور، وانتزاع حبّ الدنيا من النفوس، وإيثار الآخرة على الدنيا، واسترخاص الحياة الدنيا في سبيل مرضاة الله.

إنّ دماء الشهداء تعلم الأحياء الكثير، ومن أغرب ما في هذه المدرسة العجيبة في حياة الإنسان : أن تلاميذها أحياء وأساتذتها أموات، ولكن لا كما يتصور الناس الأموات، وإنّما كما يقول ربّنا سبحانه : (... أحياء عند ربهم يرزقون([14]).

إنّ كلّ شهيد ـ في النظرة الكونية الشاملة لحركة الدم ـ يربّي أجيالاً من العاملين المخلصين لله، وكلّ قطرة من دم الشهيد تتحول إلى أنهار من دم يفجّر براكين من المقاومة والثورة والتمرد على الظالمين في نفوس المؤمنين.

إنّ الشهادة تعلمنا كيف ينتصر المظلوم من الظالم، وكيف يستعيد المظلوم حقّه ومكانه في التأريخ، وكيف ينتصر المستضعفون من المستكبرين ويستعيدون مواقعهم في الحياة، وكيف ينتصر الدم على السيف، والحقّ على الباطل، وكيف يرزق الله القلّة المستضعفة التي تخاف أن يتخطفها الناس على الكثرة القويّة من المستكبرين وأضرابهم وجنودهم; والشهادة تعلمنا كيف نكسر الأغلال والقيود من أيدينا، ونتمرد على إرادة الذين يريدون أن يسلبونا الأمن والإرادة والقدرة; والشهادة تعلمنا كيف نعيش أحراراً، وكيف نتحرر من القيود والأغلال، وكيف نسترجع كرامتنا وحريتنا ومواقعنا ومراكزنا على وجه الأرض، وكيف نتحول من عبودية الطغاة والمستكبرين إلى عبودية الله ربّ العالمين.

الشهادة : عقيدة، وإيمان، وحبّ، وعطاء، وتضحية، وإيثار في سبيل الله، وإخلاص، وإقدام، وشجاعة، وحياة جديدة، وحاشا أن تكون الشهادة عقيمة أو تكون موتاً كما يفهم الناس الموت.

 

الطاقة الحركية لدم الشهيد :

للدم قابلية كبيرة في تحريك الضمائر الخاملة، ولا تهتز الضمائر الميّتة والخاملة لأمر كما تهتز للتضحية والدم.

إن التضحية توقظ العقول، وتنبّه الضمائر، وتحرّك النفوس، وتهز الإنسان من الأعماق، وتبعث فيه الحياة، وتفتح مغاليق القلوب; وتشرح الصدور، وتفجّر كلّ الطاقات الخيرة الكامنة في نفس الإنسان، وتقتلع الإنسان من مستنقع الحياة الراكد، وتدفعه إلى قمم الحياة العليا، وتمزّق حجب التعلّق بالدنيا من على عينيه، وسمعه، وفؤاده، ليفتح أمامه آفاق الحياة الواسعة والتي تمتد إلى مرضاة الله; ذلك أن الإنسان بفطرته ينزع إلى الله تعالى ومرضاته. وليست حقيقة الإنسان هي هذه الكتلة من الأعصاب والعظام واللحم والجلد والغرائز والشهوات فقط.

إلاّ أن التعلّق بالحياة الدنيا، وأعراضها القريبة، ومتاعها يحجبه عن تلك الأهداف والغايات العليا فتحبسه الحياة الدنيا وتعلقاتها وتثقله، كما تثقل الجاذبية الأشياء، فتعيق تحركه وصعوده; والتعبير القرآني بهذا الصدد دقيق : (... ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ قليل([15]).

وكأنّ التعلّق بالحياة الدنيا يثقل الإنسان، ويجرّه إلى الأسفل (الأرض)، ويعيق تحليقه إلى الله تعالى، ويرضيه من تلك القمم الرفيعة والآفاق الواسعة في الآخرة بهذا العرض الزائل القريب من الدنيا : (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة...).

ولكي يحلّق الإنسان ويرتفع لا يحتاج كثيراً إلى زخم أو دفع، وإنّما يحتاج إلى من يمزّق عنه هذه الحجب التي تحجبه عن الآخرة، ويحرّره، ويكسر عن يديه ورجليه هذه الأغلال التي تعيق تحركه، فيفتح عليه آفاق الآخرة، ويطلق يديه ورجليه للتحرك.

ودم الشهيد له هذا الدور الكبير في حياة الناس، إن دم الشهيد يزيل الخوف عن القلوب الضعيفة، ويقضي على رهبة الموت، ويعطي للموت معنى الانتقال إلى لقاء الله تعالى، ويهبه نكهة لقائه. إن دم الشهيد يرفع من قيمة الموت إلى قمة لقاء الله تعالى، ويضع من قيمة الحياة الدنيا حتّى لا تعد تستهوي أحداً من المؤمنين، إلاّ بقدر ما يكون متجراً للآخرة وطريقاً إليها.

وأكثر ما يعيق حركة الإنسان إلى الله تعالى الخوف من الموت والتعلّق بالدنيا، فإذا حلّ محله الإقبال على لقاء الله : (الشهادة)، والزهد في الدنيا (بالمعنى الإيجابي من الزهد) تغيّر وجه الحضارة والتاريخ.

إن التضحيات الكبيرة تمزّق حجب التعلّق بالدنيا عن عيني الإنسان، وتفتح عينيه فجأة على الآفاق الواسعة المترامية من وراء هذه الحجب...

إن هناك من وراء هذه الحياة اليومية الرتيبة، بما تحتويه من تجارة وعمل ومعيشة ومعاشرة ومشاكل صغيرة، وخلافات وحساسيات، وصراعات... ـ أنَّ هناك من وراء هذا المستنقع ـ آفاقاً واسعة وقمماً عالية لتحرك الإنسان وصعوده، تكشفها تضحية الشهداء ودماؤهم، وكأنّ الإنسان كان في غفلة منها في حياته اليومية، فينبهه إليها الشهداء بتضحياتهم.

فدم الشهيد إذن يبعث الحياة والتحرك من جديد في المجتمع، ويمنح النور، والرؤية، والبصيرة للقلوب التي تبلّدت في الحياة الدنيا.

وعندما يمتلك الإنسان الرؤية الكافية ينكشف له الهدف والغاية فيسعى إليه ويتحرك نحوه. فدم الشهيد إذن يمنح الإنسان الرؤية والهدف والتحرك وفي مساحة واسعة من المجتمع، ويخلق من الأجواء الخاملة، والبليدة أجواءً حركية وثورية.

ولذلك فليس في دم الشهيد خسارة إطلاقاً، حتّى بالمعنى المادي من الخسارة، بل الدم ربيح دائماً حتّى بالمعنى التجاري للربح; ذلك إن الشهيد، وإن كان يرحل عنا، ونخسر به عنصراً فاعلاً مخلصاً; إلاّ أن تضحية وإيثار شهيد واحد يخلق روح الإيثار والتضحية عند العشرات من الناس، ويكون قدوة لهم في الإيثار والتضحية، ويبعث القوّة والفاعلية والإخلاص في نفوسهم; فالشهادة موت للفرد وولادة للاُمّة، ومثل هذا الموت مربح ولن يُعدُّ خسارة حتّى في الحسابات التجارية من الربح والخسارة.

 

دم الشهيد يوسع رقعة التضحية داخل الاُمّة :

ان تنامي موجة الاستعداد للتضحية والإيثار في الثورة الإسلامية المعاصرة ـ وعلى مساحة واسعة جداً ـ دليل واضح على خصوبة الشهادة وعطائها; فلقد بدأ الوعي الإسلامي يتنامى في هذه المنطقة، يرافقه الاستعداد للتضحية والشوق إلى الشهادة في سبيل الله، إلاّ أن هذا الاستعداد والشوق كان ضمن رقعة اجتماعية محدودة، هي المساحة الواعية من هذه الاُمّة، وواضح لدينا إن المساحة الواعية من الاُمّة، والتي انطلقت منها الحركة في مواجهة الطاغوت ـ كانت مساحة محدودة جداً ـ ، ولكن كلما كان يزداد عدد الشهداء في الساحة الإسلامية كانت تتسع رقعة الاستعداد للتضحية والشهادة، وتجاوز الاستعداد للتضحية المساحة الواعية التي إنطلقت منها الحركة والثورة إلى الشارع، وارتفع ابن الشارع والريف في حركة نامية سريعة إلى مستوى الاستعداد للتضحية والشهادة.

ومعنى ذلك انّ دماء الشهداء استطاعت أن توسع رقعة الوعي والتحرك والإيثار والتضحية والشهادة خلال هذه المدّة القصيرة بدرجة عالية جدّاً، تفوق تصوراتنا الحسابية، وهذا النمو المتصاعد لحركة الإيثار والتضحية داخل الاُمّة من أهم مصاديق الضمان الإلهي لإنجاح رسالة دم الشهيد وقضيته.

 

دم الشهيد يحسم الخلاف ويقطع التردّد :

ودم الشهيد يقطع طريق العودة على المهزومين سياسياً وفكرياً، إنّه أداة الحسم في القضية الإسلامية فكرياً وسياسياً وعسكرياً، وقبل أن يصبغ الشهداء ساحة المواجهة بدمائهم، تتوفر الفرص بشكل واسع دائماً للصلح والتفاهم مع الكفر، والنزول عن المبادئ والحلول النصفية لترضية أئمة الكفر.

أمّا عندما يراق دم الشهداء في الساحة فإن الأمر يختلف تماماً، وتنقطع الجسور بين هاتين الجبهتين، وتبقى المبادئ هي سيدة الموقف.

والمجتمع الإسلامي لا يخلوا ـ على كل حال ـ من حالات ولحظات ضعف تدفع المجتمع غالباً بإتجاه الترضية والتفاهم، وتجنب المواجهة إيثاراً للعافية والاستقرار، وتحت غطاء من التبريرات الشرعية والسياسية، ولو لا دم الشهيد لكان هذا الإتجاه هو  الإتجاه السائد والغالب، إلاّ أنّ دم الشهيد يستلم الموقف السياسي والعسكري دائماً بالحسم الثوري، ويشكّل في المجتمع الإسلامي بؤرة القوّة والثورة في مقابل بؤرة الضعف التي أشرنا لها.

ولا نذهب بعيداً في أعماق التاريخ، فالثورة الإسلامية المعاصرة في إيران بمعطياتها الثورية والسياسية في متناول أيدينا، ولم تغب عنا أحداثها بعد، لقد كانت قيادة الإمام الخميني (رضي الله عنه)حاسمة منذ المراحل الاُولى للثورة، وكانت هذه القيادة تتجه من الأول بإتجاه إسقاط النظام ـ مرة واحدة ـ وإقامة الحكم الإسلامي وبصورة قاطعة، ولكن المساحة الواسعة من الاُمّة لم تكن بهذا المستوى من التفكير الثوري، وكانت هناك قطاعات كبيرة من الاُمّة تميل إلى التفاهم مع النطام، للمحافظة على النظام والإسلام معاً بقدر الإمكان، وتجميع النظام القائم والإسلام (في الحد الأدنى) وكانوا يعتقدون بضرورة ايقاف الثورة عندما يتحقق الحد الأدنى من المصلحة للإسلام.

وبدأ (الشاه) في اُخريات أيّامه يميل إلى هذا الرأي، ويعتقد بضرورة تقديم تنازلات شكلية ومؤقتة للثورة، للإبقاء على عرشة ريثما تتم له فرصة الإنقضاض من جديد على الإسلام، ولو كان يحدث شيء من هذا القبيل لحلّت بالإسلام كارثة، يصعب علينا تقدير سلبياتها وأضرارها الآن.

وقد كان لدماء الشهداء رضوان الله عليهم دور حاسم ومصيري في هذه المرحلة من حياة الثورة، قطعت الطريق على الحلول النصفيّة الضعيفة، وقطعت جسور التفاهم مع النظام، وصادرت كلّ الحلول المطروحة للترضية والتفاهم.

وكلّما كان يكثر عدد الشهداء في الساحة كانت ترتفع درجة مقاومة الثورة وقدرتها على المضي والاستمرار، وكانت الفجوة بين الجبهتين تتسع أكثر من ذي قبل، وتقل فرص اللقاء والتفاهم الذي كان الجناح الوطني لا يخفي رغبته إليه، حتّى بلغ الأمر حداً لم يكن من الممكن اللقاء والتفاهم مع الشاه، على كل المستويات الاجتماعية المواكبة للثورة، وانقطعت الجسور بصورة نهائية، ولم يعد لأحد أمَلٌ معقول من الناحية السياسية، في إمكانية الإبقاء على الشاه، حتّى السفير الأمريكي في طهران، فقد كان يراسل حكومته ليؤكد لهم أن فكرة المحافظة على الشاه في الظروف الموجودة في إيران لم يعد إلاّ وهماً سياسياً وسراباً خادعاً ... ومن الأفضل لأمريكا أن تعيد النظر في حساباتها السياسية تجاه قضية إيران، لتفكر تفكيراً واقعياً ينسجم مع الواقع الإسلامي القائم في إيران.

وبالتأكيد كان لدم الشهداء الدور الكبير البارز والفاعل في الحسم السياسي في هذه المرحلة الحساسة والمصيرية من التأريخ، إلى جانب الموقف التأريخي الحاسم الجريء الذي كان يمتلكه الإمام في مواجهة الأحداث.

وليس هذا فقط، بل كان لدم الشهداءرضوان الله عليهم في ساحة المواجهة دور في قطع طريق العودة على أمريكا وحلفائها إلى إيران من خلال المؤامرات العسكرية والإلتفافات السياسية، لقد كان من الممكن أن تفكر امريكا ـ بعد أن فقدت الأمل في المحافظة على الشاه ـ في مؤامرة عسكرية من خلال العناصر الموالية لها من العسكر، لكن التضحيات الكبيرة التي قدمتها الاُمّة في مواجهة النظام، بقيادة الإمام قطعت الطريق عليهم أيضاً، فلم يكن من الممكن أن تسكت الاُمّة ـ بعد تلك التضحيات والدماء المباركة ـ عن بديل أمريكي آخر، مقنّع بقناع جديد من الديمقراطية والوطنية والدين، من خلال حركة العسكر أو حركة السياسيين القدامى.

لقد منحت دماء الشهداء في (ساحة الشهداء) في طهران وفي سائر سوح المواجهة هذه الاُمّة الوعي والذكاء السياسيين والحذر من لعبة تبديل الأقنعة والوجوه وقوة الحسم في الموقف.

وهذه جميعاً وغيرها هي الأدوات التي يضمن الله تعالى بها قضية دم الشهيد والتي تساهم ـ بإذن الله ـ في إنجاح رسالة الشهيد. فدم الشهيد إذن يقود المسيرة الحضارية بإتجاه المواقف القوية والحاسمة، ويفتح مغاليق القلوب المعتمة والمنغلقة، ويفجر الطاقات الكامنة في أعماق النفوس، ويهب النفوس البليدة والضعيفة ذكاءً ووعياً وقوةً... ولا شكّ أنّ هذه النقاط المضيئة في دم الشهيد جميعاً مواضع يهبط عليها نصرالله تعالى وتأييده.

 

الإمداد الغيبي والضمان الإلهي لدم الشهيد :

وبعد فليس معنى ما ذكرنامن نقاط حسيّة لهبوط النصر والتأييد من الله تعالى أن الضمانة الإلهية لقضية الشهداء تنحصر في هذه النقاط، فإن دائرة الإمداد الإلهي الغيبي لدم الشهيد أوسع من هذه الدائرة الحسية التي رسمناه هنا، ومصادر النصر ومنابعه في خزائن رحمة الله تعالى لا تنحصر فيما ذكرنا من نقاط ووجوه، فإن خزائن رحمة الله تعالى ونصره وتأييده لمسيرة الشهداء واسعة وكثيرة لا يحددها ما ذكرنا من أسباب وأساليب.

فقد نصر الله تعالى أنبياءه بطرق غيبية لا تنالها يد الإنسان وقدرته، فنصر الله تعالى نوحاً (عليه السلام)ففجر الأرض ينابيع، وأنزل من السماء أمطاراً غزيرة وأغرق قومه الذين كذبوه :

(ففتحنا أبواب السّماء بماء منهمر * وفجّرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قُدِر([16]) إلى قوله تعالى : (ولقد تركناها آية فهل من مُدَّكر([17]).

ولقد أرسل الله تعالى على قوم عاد ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر، فأبادتهم وأهلكتهم.

(إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مّستمرّ * تنزع النّاس كأنّهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابي ونُذُر([18]).

وأمر الله تعالى الملائكة أن ينزلوا إلى ساحة بدر لنصرة المسلمين وتثبيتهم :

(إذ يوحي ربُّك إلى الملائكة أنّي معكم فثبّتوا الذين آمنوا ساُلقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان([19]).

وكذلك يثبت الله عباده الصالحين في المواجهة مع الكافرين، وعلى أرض المعركة، ويضمن الله تعالى في هذه المواجهة الحضارية العنيفة أن العاقبة للمتقين :

(... إنّ الأرض لله يُورثُها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين([20]).

وعلى نحو من ذلك نفهم نحن الضمان الإلهي لدم الشهيد وهذه الضمانة الإلهية جزء من هذه الحقيقة والسنّة الإلهية الشاملة في تأييد ودعم ونصر المؤمنين المتقين، و(الثأر) لدماء الشهداء.


 

 

 


 


([1]) الجمعة / 2.

([2]) الانعام / 89 ـ 90.

([3]) هود / 120.

([4]) الممتحنة / 4.

([5]) الممتحنة / 6.

([6]) الاحزاب / 21.

([7]) بحار الأنوار 21 / 51، ومقاتل الطالبيين / 7 ـ 8 طبعة النجف، المكتبة الحيدرية 1385 هـ .

([8]) الكهف / 103 ـ 104.

([9]) اُصول الكافي 2 / 57.

([10]) شرح نهج البلاغة 2 / 281 ـ 282.

([11]) نهج البلاغة، د. صبحي الصالح 8 / خ 36.

([12]) نهج البلاغة، د. صبحي الصالح /  ص 532 خ 323 .

([13]) الاحزاب / 23.

([14]) آل عمران / 169.

([15]) التوبة / 38.

([16]) القمر / 11 ـ 12.

([17]) القمر / 15.

([18]) القمر / 19 ـ 21.

([19]) الانفال / 12.

([20]) الاعراف / 128.

 

 

 

ثـأر الله

 

رحلة الشهادة في القرآن الكريم

في سورتي التوبة وآل عمران

(ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة...([1]).

(ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربّهم يرزقون([2]).

يشير القرآن الكريم إلى هذه النقلة الايمانية في حياة المؤمنين من محور الأنا إلى محور الله في أروع صورة وتمثيل :

آيـة (التوبة)

(انّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقّاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومَن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم * التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشّر المؤمنين([3]).

والآية الكريمة تعبّر عن تجرّد الإنسان من ذاته وعلاقاته بالله تعالى باستخدام تعبير البيع والشراء وهو تعبير ينطبق على الموضوع الذي نحن بصدده بشكل دقيق.

وكلّ بيع يتطلب اُموراً خمسة : المشتري، والبائع، والثمن، والمثمن، ووثيقة البيع. والمشتري : هنا هو الله عزّ اسمه; والبائع : الإنسان; والثمن : الجنة; والمثمن : هي النفس وعلاقاتها ومتعلقاتها، ولذّاتها وغرائزها، وحبها، وبغضها، وميولها; ووثيقة البيع : التوراة، والإنجيل، والقرآن.

 

البيع والشراء :

ويستوقفنا هنا هذا التعبير الرائع : (ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم...). إنّ المؤمنين يبيعون أنفسهم وأموالهم لله، والله يشتري منهم أنفسهم وأموالهم، وليس للبائع ـ بعد أن يتخلى عن نفسه وعن الأنفس العزيزة عليه وعن ماله لله، ويقبض الثمن ـ أن يتراجع أو يتردد في تسليم البضاعة، أو يتحفظ في التسليم، أو يستقطع منها شيئاً، أو تحنّ نفسه إلى شيء منها، فقد باع، وقبض الثمن، ولا خيار ولا رجوع ولا عودة ولا استقطاع.

وعملية البيع هنا شاملة، ومستوعبة، لا تترك للإنسان شيئاً : (... أنفسهم وأموالهم...) والأنفس هي أنفس المؤمنين، والأنفس العزيزة عليهم، من أبناء وأزواج واُخوة وأعزاء; والأموال هي كلّ ما يملكونه من متاع وعقار ونقد. فلا تبقى لهم بقية في هذه الدنيا يتعلّقون بها، أو تحنّ إليها نفوسهم، ما داموا قد قبلوا البيع، وأتموا الصفقة، وقبضوا الثمن، فهي عائدة جميعاً لله، يتصرف بها كيفما يشاء، وكما يحبّ وكما يريد، وليس للمؤمن أن يتلكأ في التسليم، والعطاء، أو يتردد، فإنّ عملية التخلّي عن الأنفس والأموال تتم طواعية بإختيار الإنسان ورغبته. وقيمة هذه العملية في أنّها تتم بإختيار الإنسان ورغبته ومن المعيب ان يُتمّ الإنسان صفقة بيع، ويقبض الثمن ثم لا تسمح له نفسه بالتخلّي عن البضاعة أو يتردّد في تسليمها أو تساوره نفسه بالفسخ والتراجع.

 

النقلة الكاملة :

وعملية البيع ـ وهذا هو موضع استشهادنا بهذه الآية الكريمة ـ تعبّر عن كلّ المسيرة والرحلة، وتطوي كلّ المسافة الفاصلة بين المحورين : محور (الأنا) و (المحور الإلهي)، فيتخلى المؤمن عن نفسه ومشتهياتها، وعلاقاتها، ولذاتها ومتعها، وعن كلّ علاقاته في هذه الدنيا لله تعالى، بصورة كاملة وينتزع نفسه من هذا المحور إنتزاعاً كاملاً، لينقلها إلى المحور الآخر وليضعها تحت سلطان الله تعالى وأمره ونهيه.

وهذه النقلة أو البيعة هي كلّ المسيرة الإنسانية إلى الله والمؤمنون في هذه البيعة يطوون كلّ تلك الرحلة الطويلة والشاقة.

 

أمثلة عن النقلة الكبرى في حياة المسلمين الاُولى :

ولقد كان المسلمون في صدر الإسلام يتلقون هذه الحقائق والآيات من كتاب الله ويفهمونها بوضوح وبساطة، ومن غير تعقيد أو إلتواء، وتتحول هذه الآيات والمفاهيم القرآنية الجديدة في نفوسهم إلى وعي عميق، وإيمان وسلوك.

وإليكم بعض الصور المشرقة من هذا التأريخ :

1 ـ في بيعة العقبة الثانية وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين، اجتمع رجال الأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند العقبة لمبايعته (صلى الله عليه وآله) والإتفاق معه على قرار بخصوص الهجرة والنصرة، فقال عبدالله بن رواحة (رحمه الله) للنبيّ (صلى الله عليه وآله) : اشترط لربّك ولنفسك ما شئت.

فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : اشترط لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً واشترط لنفسي : أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.

قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟

قال : الجنّة.

قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل ([4]).

فنزلت : (إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم...([5]).

2 ـ وعن جابر بن عبدالله الأنصاري (رحمه الله) قال : نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في المسجد : (إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم...)فكبّر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار، ثانياً طرفي ردائه على عاتقه; فقال :

يا رسول الله أنزلت هذه الآية ؟ قال : نعم. فقال الأنصاري : بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل ([6]).

3 ـ وصورة ثالثة من هذا التفاعل المباشر والفهم الواضح الصافي لمفاهيم الإسلام وتصوّراته الجديدة على حياة الناس وهي ما جاء عن عبادة بن الصامت : أنّ أسعد بن زرارة أخذ بيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة العقبة، فقال : أيّها الناس هل تدرون علامَ تبايعون محمّداً (صلى الله عليه وآله) ؟

إنّكم تبايعونه على أن تحاربوا العربَ والعجم والجنَّ والإنس كافة.

فقالوا : نحن حرب لمن حارب، وسلم لمن سالم.

فقال اسعد بن زرارة : اشترط عليّ.

فقال (صلى الله عليه وآله) : تبايعوني على ان تشهدوا أن لا اله إلاّ الله وأنّي رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، والسمع والطاعة، ولا تنازعوا الأمر أهله، وتمنعوني مما تمنعون أنفسكم وأهليكم.

قالوا : نعم.

قال قائل من الأنصار : نعم، هذا لك يا رسول الله. فما لنا ؟

قال : الجنّة والنصر ([7]).

4 ـ وصورة اُخرى : وهي ما أخرجه ابن سعد عن الشعبي قال : انطلق النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالعباس بن عبدالمطّلب، وكان ذا رأي، إلى السبعين من الأنصار عند العقبة، فقال العباس : ليتكلّم متكلّمكم، ولا يطيل الخطبة، فإن عليكم للمشركين عيناً، وإن يعلموا بكم يفضحوكم.

فقال قائلهم وهو أبو اُمامة أسعد : يا محمّد (صلى الله عليه وآله) سَلْ لربِّك ما شئت، ثم سل لنفسك ولأصحابك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله، وعليكم، إذا فعلنا ذلك ؟

فقال (صلى الله عليه وآله) : أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤونا، وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه انفسكم.

قال : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟

قال : (الجنّة). فكان الشعبي إذا حدّث هذا الحديث قال : ما سمع الشيب والشبان بخطبة أقصر ولا أبلغ منها ([8]).

ولهذه الصور أمثلة كثيرة في تأريخ الإسلام، عن التفاعل المباشر مع مفاهيم وتصوّرات الإسلام، والانصهار والذوبان الكامل في هذه المفاهيم، والتصوّرات، والفهم الواضح لها.

لقد كان المسلمون الأوائل يفهمون هذه الآية الكريمة بهذه البساطة والوضوح، ويتفاعلون معها بمثل هذه القوّة والعزم، ولعلّنا لا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا إنّ أبناءنا من هذا الجيل بدؤوا يستعيدون تلك البساطة والوضوح في فهم آيات الله; وأحداث الثورة الاسلامية المعاصرة في إيران والعراق ولبنان. وجبهات القتال الدامية مع النظام العراقي السفّاح شاهدة على هذه الحقيقة ([9]).

 

تكريم الإنسان بالبيع والشراء :

ومن عجب في هذا الشراء أنّ الشاري سبحانه وتعالى له ملك السماوات والأرض، وله الإنسان وما بيده من أموال، وله أن يتصرف في كلّ ذلك من غير بيع ولا شراء ومن غير سؤال ولا استئذان، والعبد وما في يده لمولاه.

ولكنّه عزّوجلّ شاء أن يُكرم هذا الإنسان، ويرفعه إلى موضع التعاقد والمبايعة معه، وذلك تكريم من لدن الله تعالى لعباده بما يناسب لطفه وكرمه بهم; وقد كان الحسن إذا قرأ هذه الآية : (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم...) قال : «أنفس هو خلقها وأموال هو رزقها».

فهو سبحانه خلق الإنسان وخلق له ما شاء من الطيّبات وتلك كرامة، ثم ملّكه ذلك، وتلك كرامة اُخرى، ثم اشترى منه ما وهبه وما ملّكه، وتلك كرامة ثالثة أن يرفعه إلى موضع التعاقد والمبايعة معه، ثم جعل ثمن ما يأخذه منه من المتاع الفاني الجنّة والخلود في رحمته ورضوانه وتلك كرامة رابعة.

والعطاء جميل على كلّ حال ولكن أجمل العطاء وأفضله ما يقترن بالتكريم وقد قرن الله تعالى عطاءه لعباده بالتكريم وتلك غاية في الكرم والتكريم، والحمد لله ربنا الذي أكرمنا بكل هذه الكرامات وأكرمنا بالإسلام والتقوى.

 

البيعة :

والبيع والشراء من الله يستدرجنا للحديث عن مصطلح إسلامي عريق يتصل بهذا المفهوم من قريب وذلك هو (البيعة).

والبيعة مشتقة من مادة البيع، ولا نعلم ما إذا كان له في الجاهلية أصل قريب أم لا ؟ إلاّ أنّ الإسلام إتّخذ هذه الكلمة مصطلحاً للالتزام والتعهد الكامل بالطاعة من قبل الاُمّة للإمام فيكون معنى الكلمة الالتزام الكامل بالطاعة.

وذكروا في المناسبة التي اقتضت تسمية هذا الالتزام بالبيعة أنّ العرب كانوا إذا تبايعوا تصافقوا وضرب أحد المتبايعين بكفه على كف الآخر، وكان ذلك علامة رضاهما بالبيع والتزامهما به.

وقد أمضت السُنّة هذه الطريقة في التعبير عن التعهد والالتزام بالطاعة تجاه الإمام; فكان المسلمون إذا بايعوا رسول الله استلموا كفّه إيذاناً بالالتزام بالطاعة، ويسمى هذا الالتزام بهذه المناسبة : بيعة ومبايعة; ومن غير المستبعد أن تكون المناسبة في هذا المصطلح أنّ هذا الالتزام من مقولة البيع، ففي البيع يتخلى البائع عن المتاع الذي يملكه بشكل كامل في مقابل ما يتلقاه من الثمن، وإذا أوجب البيع فلا يحق له أن يتراجع عمّا أمضاه.

وكذلك الأمر في الالتزام بالطاعة (البيعة) فإن المرء إذا دخل البيعة والتزم بالطاعة فليس له أن يتراجع أو يتخلى عن عهده والتزامه; فقد أمضى البيع وقبض الثمن (الجنة) وأعطى الله ماله ونفسه، والأنفس العزيزة عليه، فلا يحق له ان يتراجع أو يتردد أو يفسخ الالتزام; ورحم الله ذلك الرجل الأنصاري الذي قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) : بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل.

 

البيعة التجرّد الكامل عن الأنفس والأموال :

إنّ حقيقة البيعة التخلّي الكامل عن الأنفس والأموال والالتزام الكامل بالتسليم والطاعة في مقابل الثمن الكبير وهو الجنّة; فإن حقيقة الطاعة هي (الولاء) والتسليم لله، ولا يتمّ الولاء لله والتسليم لأمر الله ورسوله والإنقياد والطاعة لهما إلاّ عندما يتخلّى الإنسان المسلم عن كلّ شيء يتعلق به من الأنفس والأموال، ويتجرد من ملكية كلّ شيء وضعه الله تحت تصرفه وملكه، ولا يرى لنفسه حقّاً في شيء منه ويرى أنّ الله ورسوله أولى بهما منه، وهي عنده وديعة إلى حين يسترجعها الله تعالى منه وهذا هو جوهر البيعة; وعجيب أمر هذه الوديعة الإلهية، وعجيب كرم الله تعالى وفضله ورحمته بعباده.

فما بأيدينا من الأنفس والأموال لله تعالى وليس لنا منه شيء، أودعها عندنا وهو أولى بها، وهو خالقها ومالكها، ثم يشتريها من عباده بعد ذلك، ويعدهم بالجنّة ثمناً لها، ثم يودعها لدينا إلى حين الدعوة والطلب.

ثم إذا شاء بعد ذلك أنْ يسترجع وديعته قال عزّ من قائل : (من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيُضاعفه له...([10]) سبحانك ما أكرمك، وأكرم عطاياك ! وما أجملك وأجل أسماءك وصفاتك الحسنى ! وما أبخلنا وألأمنا فنحن عبادك الذين نضن بأنفسنا وأموالنا عنك ! فتول اللهم لؤمنا بكرمك وشحنا برحمتك.

 

البيعة ميثاق (الدعوة) والدولة :

والبيعة ميثاق، وهذا الميثاق يحمّل الإنسان المسلم مسؤوليتين كبيرتين :

الاُولى : مسؤولية الدعوة إلى الله تعالى والقيام بأعبائها وتحمّل الخسائر المترتبة عليها وتوطين النفس لذلك.

الثانية : مسؤولية الدولة الإسلامية وبناؤها والدفاع عنها.

وهاتان المهمّتان شاقتان عسيرتان ولا ينتهي دور الإنسان ومسؤوليته تجاه الإيمان بالله وبرسوله ما لم يتعهد أمر الدعوة والدولة معاً; وهذه المهمة المزدوجة هي أساس معاناة وابتلاء ومتاعب الأنبياء (عليهم السلام)، فلن تستقر الدعوة، ولن تتمكن من العقول والقلوب والحياة من دون التصدي والمواجهة ولن تشق طريقها إلاّ على أنقاض الدعوات الجاهلية وعلى أجساد الطغاة والجبابرة الذين يحولون بين الناس والاستجابة لدعوة الله.

وما يقال في الدعوة يقال في الدولة بشكل أقوى وأوضح، فإن (الدولة) هي سيادة الدعوة وسلطانها على الأرض وكلمتها النافذة، ولا تستطيع الدولة أن تفرض سلطان الدعوة على الحياة الإجتماعية، دون أن تواجه صنوفاً من العقبات والتحديات، وهذه المواجهة في طريق تمكين الدعوة والدولة وتذليل العقبات تتطلب البذل والتضحية والصبر، وتوطين النفس لكلّ ذلك من قبل الاُمّة حاملة رسالة الدعوة والدولة; فلابدّ من مبايعة قائد المسيرة على البذل والعطاء والتضحية والفداء، وأن يجاهدوا خفافاً وثقالاً، وألاّ يعيقهم عن الجهاد في سبيل الله الأزواج والبنون والأموال والتعلقات والمواقع، وأن يتجردوا لله تبارك وتعالى من كلّ ارتباط وتعلّق عدا الارتباط بالله والتعلّق بالدعوة وهمومها وآلامها.

 

البيعة طاعة وتضحية :

ولابُدّ في البيعة من أمرين :

1 ـ الطاعة والانقياد.

2 ـ التضحية والعطاء.

قال ابن عمر : «كنّا نبايع رسول الله (صلى الله عليه وآله) على السمع والطاعة» ([11]).

وعن ابن عمر قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وأكره، إلاّ أن يؤمر بمعصية فاذا اُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» ([12]).

وعن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع قال قلت لسلمة : على أي شيء بايعتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الحديبية ؟

قال : على الموت ([13]).

فلا تستقيم الدعوة ومسيرتها، ولا تحقق أهدافها من دون هذين الأمرين.

والطاعة والتضحية أمران متلازمان وهما يساويان التخلّي الكامل عن النفس ورغباتها ومشتهياتها لله تبارك وتعالى; والجنّة هي الثمن الذي يتقاضاه الإنسان المؤمن إزاء ذلك.

 

آية البيعة :

والبيعة بهذا المحتوى الرفيع لن تكون إلاّ مع الله تعالى، وأمّا الذين يبايعون النبيّ (صلى الله عليه وآله) فإنّما يبايعون الله : (انّ الذين يبايعونك إنّما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمَن نكث فإنّما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً» ([14]).

فلا تكون البيعة بالمحتوى الذي شرحناه مع طرف آخر غير الله، ولا يصح أن يتجرّد الإنسان ممّا آتاه الله تعالى لغير الله.

وكلمة «إنّما» في قوله تعالى : (ان الذين يبايعونك انّما يبايعون الله...) ذات دلالة عميقة; فهي تأتي لحصر البيعة والولاء بالبيعة لله تعالى ونفي أية بيعة اُخرى غير البيعة لله.

(... يد الله فوق أيديهم...) فاليد التي يصافحونها في البيعة وإن كانت يد النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولكنها تمثل يد الله، وعلوها من علو يد الله، وهذه الجملة تقرر عدة حقائق إيمانية وسياسية في وقت واحد، فلابدّ في هذه البيعة من يد أعلى فوق أيديهم، ومن دون هذا العلو لا تتم الولاية والبيعة والطاعة. ولابدّ أن يكون هذا العلو علوّاً حقيقياً، فاستعلاء بعض الناس على بعض ليس من ذلك، وإنّما هو من الإستكبار الذي يمقته الله تعالى.

و «يد الله» هي العليا في هذه البيعة (... يد الله فوق أيديهم...) وهي وحدها الحَرِيّة بالبيعة والطاعة والولاء; أمّا يد النبيّ (صلى الله عليه وآله) فليست هي المقصود بالذات في هذه البيعة، وإنّما المقصود يد الله، وتكتسب العلو والولاية من الله.

وهذه الحقائق بمجموعها ترسم لنا الأبعاد الكاملة لتوحيد الولاء، وهو بعد (توحيد الإيمان بالله) يعتبر الأساس والركيزة لبناء المجتمع الإسلامي، وتنظيم شبكة العلاقات داخل المجتمع; فالذي يتأمّل في نسيج (العلاقات) داخل المجتمع الإسلامي، سواء ما يتعلّق منها بالعلاقة بالله ورسوله وأوليائه والقيادة الإسلامية (العلاقة العمودية) أو العلاقات التي تربط أعضاء المجتمع الإسلامي بعضهم ببعض (العلاقات الاُفقية) يجد أنّ هذه العلاقات تكوّن جميعاً شبكة واحدة ونظاماً واحداً يسمى بـ «الولاء»، وليست مجموعة من الشبكات والأنظمة، وأنّ هذه الشبكة الواحدة تنبع من مصدر واحد وهو الارتباط بالله تعالى، والولاء له (بمعنى الطاعة والنصرة والحبّ) ومن هذا المصدر تتشعب وتنبع العلاقات العمودية والاُفقية الاُخرى. وهذا هو الذي نقصده بتوحيد الولاء.

ولابدّ من هذه البيعة في كلّ جولة للدعوة وفي كلّ مرّة تتصدى فيها الدعوة لإقامة الدولة وتتعرّض فيها الدولة لتحديات الجاهلية، وذلك لتعميق العلاقة بالقيادة وتعميق الإحساس بالمسؤولية الكبيرة في قيام الدعوة والدولة، وتوطين النفوس للطاعة والتضحية والتجرّد لله.

 

أربع بيعات في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

وقد دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسلمين إلى البيعة أربع مرّات في حياته المباركة :

1 ـ بيعة العقبة الاُولى.

2 ـ البيعة الكبرى بالعقبة.

3 ـ بيعة الرضوان أو بيعة الشجرة ([15]).

4 ـ بيعة الغدير.

والبيعة الاُولى كانت تخص أمر التعهد بالدعوة والتزامها وتبنّيها، والبيعة الثانية والثالثة والرابعة، كانت تتعلق بأمر الدولة وبنائها وحمايتها.

 

البيعة الاُولى :

قال عبادة بن الصامت : «... بايعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيعة النساء، وذلك قبل أن يفترض علينا الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه، من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. فإن وفيتم فلكم الجنّة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتم بحدّه في الدنيا فهو كفّارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله عزّوجلّ، إن شاء عذّب، وإن شاء غفر» ([16]).

 

البيعة الثانية :

قال كعب بن مالك : «خرجنا من المدينة للحج وتواعدنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)بـ (العقبة) أواسط أيّام التشريق، وخرجنا بعد مضي ثلث الليل متسللين مستخفين، حتّى اجتمعنا في الشِعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، فجاء رسول الله ومعه عمه العباس فتكلّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتلى القرآن، ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام ثم قال : أُبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون نساءكم وأطفالكم، فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال : نعم والذي بعثك بالحقّ لنمنعك مما نمنع به ازُرنا (نساءنا). فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب.

فقال أبو الهيثم بن التيهان : يا رسول الله إنّ بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنّا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثمّ أظهرك الله أن ترجع إلى
قومك وتدعنا ؟ فتبسّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمّ قال : بل الدم الدم والهدم الهدم، أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم» ([17]).

قال ابن قتيبة : «كانت العرب تقول عند الحلف والجوار دمي دمك وهدمي هدمك، أي : ما هدمت من الدماء هدمته أنا».

 

البيعة الثالثة :

وهي بيعة الرضوان أو «بيعة الشجرة» في سنة سبع من الهجرة استنفر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصحابه للعمرة، فخرج معه ألف وثلاثمائة أو ألف وستمائة، ومعه سبعون بدنة، وقال : لست أحمل السلاح إنّما خرجت معتمراً، وأُحرم من ذي الحليفة وصاروا حتّى دنوا من الحديبية على تسعة أميال من مكة، فبلغ الخبر أهل مكّة، فراعهم واستنفروا من أطاعهم من القبائل حولهم، وقدموا مائة فارس عليهم خالد بن الوليد أو عكرمة بن أبي جهل، فاستعدّ لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال : إنّ الله أمرني بالبيعة، فأقبل الناس يبايعونه على الاّ يفرّوا، وقيل بايعهم على الموت ([18]).

 

البيعة الرابعة :

وهي بيعة الغدير المعروفة، ومنها أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) البيعة من المسلمين
ـ وقد روي أنّهم يومذاك في غدير خم مائة وعشرون ألف شخص ـ لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من بعده بالإمامة وقيادة الدولة من بعده والحادث معروف يرويه عدد كبير من أرباب الحديث والسير والتأريخ.

 (يقاتلون في سبيل الله) :

نعود مرّة اُخرى للحديث عن آية الشهادة في القرآن : (... يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقّاً في التوراة والإنجيل والقرآن...) وهذه ثلاث قضايا مقترنة ببعضها لايمكن تفكيكها وتجزئتها ولا يمكننا أن نفهمها فهماً صحيحاً إلاّ بهذه الصورة المتّصلة، وضمن هذا الإطار الواحد الذي يرسمه القرآن (... يقاتلون... فيَقتلون ويُقتلون...) وتلك هي القضية الاُولى.

وفي سبيل الله وليس في سبيل الطاغوت، وعلى طريق الدعوة إلى الله. ومن أجل تقرير اُلوهية الله على وجه الأرض وبلوغ رضوانه ومرضاته، وتلك القضية الثانية في هذه الكلية.

وهذا الوعد بالجنّة، وهذه الدعوة إلى القتال وهذه المبايعة لا تخص الذين قاموا مع النبيّ الأُمي (صلى الله عليه وآله) لتطهير الأرض من الطاغوت وتقرير اُلوهية الله على وجه الأرض وإنّما هي سنة قديمة لله تعالى في عباده منذ التوراة والإنجيل، ومنذ حياة الأنبياء السابقين (عليهم السلام) إلى اليوم.

وشأن هذه الاُمّة اليوم شأنها في زمن موسى وعيسى (عليهما السلام) ومن قبلهما من الأنبياء والمرسلين، لن تنال رحمة الله ورضوانه إلاّ بتحكيم اُلوهية الله، وحاكميته على وجه الأرض، ولن تحقق حاكمية الله على وجه الأرض إلاّ من خلال هذه المعاناة والقتال والدماء : (أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يأتكم مثلُ الذين خلوا
من قبلكم مستهم البأساء والضراء...([19])، مسيرة واحدة مخضبة بالدم، منذ عهد موسى وعيسى (عليهما السلام)، ومن قبلهما من الأنبياء إلى أن يتولى المهدي من آل محمّد (عليه السلام) تطهير الأرض من رجس الطغاة وعبثهم وفسادهم وإلى أن تقوم القيامة، وينشر الناس للحساب وتلك القضية الثالثة في هذه الكلمة التي يعرضها هذا النصّ العجيب من كتاب الله تعالى.

 

حتمية القتال في مسيرة الدعوة :

ومن هذه النقاط الثلاث نستطيع ان ندرك التصوّر الإسلامي الكامل لمسألة القتال، ضرورة حتمية من ضرورات الدعوة إلى الله تعالى، ولايمكن تفكيك مسيرة الدعوة إلى الله عنه، وهذه الضرورة والحتمية ليست قضية جديدة في مسيرة الدعوة، وإنّما هي ضرورة تأريخية وحتمية من الحتميات التأريخية للدعوة إلى الله.

فإنّ الدعوة إلى الله لايمكن أنْ تشق طريقها على وجه الأرض إلى قلوب الناس وعقولهم، ولا يمكن أنْ تتحرك الدعوة إلى الله لتحرير عقول الناس وقلوبهم من «الإصر» و «الأغلال»، دون أنْ تواجه سخظ الجاهلية وتحدّيها، وغضبها، ذلك انّ الدعوة لا تتحرك في خلاء سياسي واقتصادي واجتماعي، وإنّما تتحرك في المساحة التي تحتلها الجاهلية من قبل، أو تريد إحتلالها، وتتحرك على حساب نفوذ وسلطان وطموحات الجاهلية في هذه المساحات، ولايمكن أنْ تواجه الجاهلية تقدّم الدعوة ومسيرتها بالسكوت والإستسلام وتفسح الطريق لها.

إنّ الذين يتصوّرون أنّ الدعوة تتحرك في منطقة فراغ سياسية واجتماعية وإقتصادية بعيدون عن الواقع وعلى درجة عالية من السذاجة والبساطة في فهم الاُمور، والأمر الواقع أن الإنسان الذي تحرره الدعوة من الإصر والأغلال يخسره الطاغوت ولن يعود أداة طيّعة له، وموضعاً لاستثماره. وعليه فلا يمكن أنْ تتقدم الدعوة على وجه الأرض من دون أنْ تواجه تحدياً قوياً من الجاهلية، ومواجهة حادّه من الطاغوت ومعارضة بكل الوسائل الممكنة من قبل أقطاب الجاهلية وأئمّة الكفر.

وللجاهلية محاور وولاءات كثيرة، لكنها جميعاً تجتمع عند هذه النقطة في مواجهة محور الولاء لله، وتتناسى كلّ ما لديها من خلافات قديمة وحديثة، لمواجهة العدو المشترك الذي يصادر وجودها جميعاً.

إنّ الجاهلية فيما بينها ولاءات متعددة ومتقاطعة أحياناً ولكنّها في مواجهة الإسلام كتلة واحدة وبراءة واحدة، وهذه الحقيقة تجعل من الجاهلية مواجهة صارمة وعنيفة لمسيرة الدعوة.


 


([1]) التوبة / 111.

([2]) آل عمران / 169.

([3]) التوبة / 111 ـ 112.

([4]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8 : 267.

([5]) بناءً على أن تكون الآية مكية والأرجح أنها مدنية.

([6]) الدر المنثور 3 / 280.

([7]) الدر المنثور 3 / 280.

([8]) الدر المنثور 3 / 280.

([9]) كتب هذا البحث أيّام الحرب العراقية الايرانية.

([10]) البقرة / 245.

([11]) صحيح البخاري / كتاب الأحكام / باب البيعة، وصحيح مسلم / كتاب الإمارة / باب
               
  البيعة على السمع والطاعة 6 / 29. دار الفكر.

([12]) مسند أحمد بن حنبل 2 / 17 و 142.

([13]) صحيح مسلم / كتاب الإمارة / باب استحباب مبايعة الإمام 6 / 27. دار الفكر.

([14]) الفتح / 10.

([15]) تراجع تفاصيل هذه البيعات في كتاب «معالم المدرستين» للعلاّمة المحقق السيد مرتضى
               
  العسكري 1 / 88 ـ 89.

([16]) سيرة ابن هشام 2 / 75. ط. مصطفى البابي الحلبي.

([17]) سيرة ابن هشام 2 / 84 ـ 85 .

([18]) امتاع الأسماع للمقريزي 274 ـ 291. ويراجع ابن هشام 3 / 330، ط. مصطفى البابي       الحلبي. وقد نقلنا نصوص البيعة كلّها من كتاب معالم المدرستين عن المصادر التي أشرنا إليها                 في الهامش.

([19]) البقرة / 214.

 

 

 

 

المواجهة المصيرية بين الإسلام والجاهلية :

هذا هو التصوّر الواقعي لمسيرة الدعوة والمواجهة الجاهلية لها، ولا تنتهي هذه المواجهة والتحدي الجاهلي إلاّ عند التصفية الكاملة لحركة الدعوة والمصادرة الكاملة لإرادة الإنسان، والسيطرة الكاملة على كلّ مساحات الدعوة، والإنهاء الكامل لكلّ مراكز ومواقع الدعوة إلى الله، وكلّ مراكز ومواقع الاستجابة لدعوة الله تعالى وإلى هذه الحقيقة في تركيب وبنية الجاهلية يشير القرآن الكريم : (... ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً...([1])، لا تتوقف الجاهلية إلاّ عند تصفية هذه المراكز جميعاً : البيع، والصلوات، والمساجد، وكلّ موقع ومركز يذكر فيه اسم الله ويدعى فيه إلى الله تعالى.

ولاسبيل إلى إيقاف الجاهلية وصدّها عن العدوان وعن الفتنة في طريق الدعوة إلاّ بالقتال والجهاد واستئصال الكفر والجاهلية (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله...([2]).

فالقتال إذن ضرورة من ضرورات الدعوة، ولايمكن أن تنطلق مسيرة الدعوة على وجه الأرض من دون قتال ودم، ولايمكن أن تؤدي الدعوة رسالتها على وجه الأرض، دون أن تُعدّ الإعداد الكامل لهذه الحرب المصيرية والحضارية، ودون أن توطّن نفسها لهذه المواجهة العنيفة التي لا ترحم صغيراً ولا كبيراً; والتفكير في المصالحة والهدنة والتفاهم مع الجاهلية تفكير ساذج، وغير واقعي وغير مبدئي في نفس الوقت. فليس لنا مع الجاهلية، والطاغوت غير خيار واحد، وقرار واحد، وهو الاستمرار في القتال (ضمن مراحل العمل والحركة) حتّى يتم القضاء الكامل على الجاهلية وبها يتم القضاء الكامل على الفتنة على وجه الأرض : (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله...).

 

العلاقة العضوية بين أطراف الجاهلية :

إنّ الجاهلية المعاصرة كالجاهلية في أي وقت آخر ذات ولاءات ومحاور مختلفة، لكنها قبالة الإسلام تجمعها علاقة عضوية واحدة، وهذه الحقيقة التأريخية هي التي تفسر لنا كيف اجتمعت أميركا وروسيا وإنكلترا وفرنسا والمانيا وغيرها من الدول الكبرى على دعم النظام العراقي في ضرب الثورة الإسلامية والكيد للدولة الإسلامية.

إنّ هذه المسائل السياسية تكشف عن طبيعة الجاهلية وارتباطها العضوي، ووحدة الموقف السياسي عندها في البراءة، وإن كانت هي في داخلها ذات محاور وولاءات متعددة ومتخالفة.

 

شراسة الجاهلية في صراعها مع الإسلام :

إنّ الفتك والبطش والشراسة من خصائص الجاهلية في صراعها مع الإسلام، وتحاول الكيانات الجاهلية في صراعها السياسي والعسكري مع الإسلام أن تتقنّع بقناع الإنسانية والأخلاق، فإذا طال الصراع واستنفذت الجاهلية وسائلها الممكنة، ووجدت نفسها في خطر حقيقي ألقت هذا القناع جانباً، وظهرت بكل بشاعتها للساحة وللرأي العام.

ويطول هذا الصراع ولايمكن الوصول فيه إلى تفاهم أو مصالحة، ولا أمد للحرب غير سقوط الجاهلية ونهايتها وإخلاء الساحة الإنسانية  لحركة الدعوة إلى الله; فالصراع هنا ليس صراعاً على أرض وماء أو حقل من حقول النفط وإنّما الصراع هنا (صراع حضاري) بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالة وعمق.

وبكلمة موجزة جداً : إنّ الصراع هنا صراع الولاءات وليس صراع المصالح، حتّى يمكن فيه التفاهم، والصلح واللقاء.

 

الإيمان بالله يساوي التخلّي عن الأنفس والأموال :

ولابد أن نقف وقفة اُخرى عند كلمة : (ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم...)فإنّ الآية الكريمة تقرّر قضية هذا البيع والشراء بصيغة الماضي، وليس بصيغة المضارع (ان الله اشترى من المؤمنين...) من كلّ المؤمنين دون تخصيص.

إنّها لآية عجيبة حقّاً تهز الإنسان من الأعماق وتشعر الإنسان بعمق معنى الإيمان وبثقل الإيمان الكبير، فكلّ ايمان بيعة مع الله، وكلّ من آمن فقد باع نفسه لله وتخلّى عن نفسه وماله له تعالى من دون تردّد، إنّ القضية أعمق من الاستعداد للتخلي، انّه هو التخلّي الفعلي عن النفس. والمال لله، وهذا هو معنى (البيع) و (الشراء) وليس الاستعداد للتنازل عن الأنفس والأموال، وإنّما التخلّي الفعلي عن كلّ شيء يملكه لله تعالى من دون تردد، ولا تراجع، ولا نظرة إلى الوراء، فقد تمّ البيع وتمت الصفقة وحسم الأمر، فلا إقالة ولا رجعة.

وهكذا كان يفهم المسلمون الأوائل هذه الآية الكريمة عندما كبّروا لمّا تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه الآية عليهم، وقال قائلهم : «بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل».

 

وثيقة البيع :

وأمّا الوفاء بالثمن ووثيقة البيع فإنّ الشاري هو الله تعالى وهو المتعهد بالثمن، ومن أوفى بعهده من الله ؟

وإنّ المؤمن ليتصور هذا الثمن الكبير الباقي لهذه البضاعة النافذة، ثم يعلم أنّ الله تعالى هو الذي يتولى الوفاء بهذا العهد فتمتلئ نفسه غبطة وراحة ويقيناً ويطمئن قلبه بعهد الله تعالى وميثاقه.

ومن عجيب أمر هذا البيع والشراء وثيقة هذا البيع، فإنّ وثائق البيوع تختلف باختلاف أهمية درجة البيع وقيمته، وإذا كان المشتري في هذا البيع هو الله تعالى والبضاعة هي الأنفس والأموال والثمن الجنّة، فلابُدّ أن تكون وثيقة هذا البيع على قدر قيمته، وأعزّ الوثائق كُتب الله تعالى وألواح الوحي المرسلة إلى أنبيائه; ووثيقة هذا البيع من هذا النوع : التوراة والإنجيل والقرآن، وناهيك بها من وثائق تبعث الطمأنينة والثقة في أضعف النفوس.

ولأمر ما يأتي في هذه الآية الكريمة تأكيد الموثق في هذا البيع ويأتي ذكر المواثيق الذي سجّل الله تعالى فيه عهده لعباده بالجنّة ويأتي قوله تعالى : (... ومن أوفى بعهده من الله...([3]).

فإنّ القلوب كلما كانت تطمئن أكثر لوعد الله قدمت على هذه المبايعة مع الله بثقة ويقين أكبر. والضعف في الاطمئنان لا ينافي الإيمان; فقد يكون الإنسان مؤمناً ولكن لم يبلغ في تعامله مع الله تعالى درجة عالية من اليقين والإطمئنان، ومثل هذا الإيمان يشوبه الكثير من الضعف والتخلّف عند المبايعة والاستجابة لدعوة الله تعالى.

وأمّا عندما ترتفع درجة ثقة الإنسان بوعد الله تعالى إلى مستوى (الطمأنينة) و (اليقين) فإنّ الأمر يختلف بالنسبة إليه إختلافاً كبيراً وتكاد تكون (الجنّة) ثمناً مقبوضاً والبيع نقداً، وليس الثمن موعوداً.

إنّ الذين رزقهم الله الطمأنينة واليقين يرون وعد الله حاضراً ويرون الجنّة ماثلة أمام أعينهم، فلا يشكّون، ولا يتردّدون، ولا يحجمون، ولا يساورهم شكّ ولا ريب، ويقدمون على المبايعة مع الله، من دون خوف، أو تراجع، أو نظر إلى الوراء، ويقدّمون أنفسهم وأموالهم لله ببساطة وارتياح ومن غير معاناة.

روى مسلم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لأصحابه يوم بدر : «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

قال عمر بن حمام الأنصاري : يا رسول الله جنّة عرضها السماوات والأرض ؟

قال : نعم.

قال : بخ بخ.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ما يحملك على قولك بخ بخ.

قال : لا والله يا رسول الله إلاّ رجاء أن أكون من أهلها.

قال : فإنّك من أهلها.

فأخرج تمرات من قربه، فجعل يأكل منهن.

ثم قال : لئن أنا حييت حتّى آ كل تمراتي هذه إنّها لحياة طويلة.

قال : فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتّى قُتل» ([4]).

وروى مسلم عن أبي بكر بن عبدالله بن قيس عن أبيه قال : سمعت أبي، وهو بحضرة العدو يقول : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «إنّ أبواب الجنّة تحت ظلال السيوف». فقام رجل رثّ الهيئة فقال : يا أبا موسى أنت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقول هذا ؟ قال : نعم، قال : فرجع إلى أصحابه، فقال : أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتّى قُتل ([5]).

بمثل هذه البساطة والثقة والطمأنينة كانوا يتعاملون مع الله تعالى.

وقد هازل برير عبد الرحمن الأنصاري (ليلة عاشوراء)، فقال له عبدالرحمن الأنصاري : ما هذه ساعة باطل ! فقال برير : لقد علم قومي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً، ولكني مستبشر بما نحن لاقون; والله ما بيننا وبين الحور العين إلاّ أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم، ولوددت أنّهم مالوا علينا الساعة ([6]).

وخرج حبيب بن مظاهر يضحك، فقال له يزيد بن الحصين : ما هذه ساعة ضحك يا حبيب !

قال حبيب : وأي موضع أحق بالسرور من هذا ؟ ما هو إلاّ أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم فنعانق الحور ([7]).

روي عن جابر أنّ رجلاً قال (في ساحة المعركة) : «أين أنا يا رسول الله ان قتلت ؟ قال : في الجنّة. فألقى تمرات كن في يده، ثم قاتل حتّى قُتل» ([8]).

 

والثمن هو الجنّة :

ثمّ إنّ الجنّة هي الثمن في هذه المبايعة (... بأنّ لهم الجنّة) ويستتبع الوعد بالجنّة البُشرى السارة التي يزفها القرآن إلى المجاهدين : (... فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) : الجنّة والبشرى والفوز العظيم.

وتنتهي الآية الكريمة مرّة اُخرى بالبشارة (... وبشّر المؤمنين) انّ جو الآية يطفح بالبشرى والسرور والفوز، وهكذا يشعر الإنسان عندما يقرأ هذه الآية المباركة انه ينتقل فيها من الجنّة إلى البشرى، ومن البشرى إلى الفوز العظيم، ومن الفوز العظيم إلى البشرى ثانية.

 

الفوز العظيم :

وأودّ أن أقف قليلاً عند هذه الكلمة (... الفوز العظيم)، فهو مصطلح محدد في كتاب الله والذي يتتبع مواضع استعمال هذه الكلمة في القرآن يجد أنّها تستعمل في موارد متقاربة مفهوماً ومترابطة أو متحدة مصداقاً، فالجنّة من الفوز العظيم (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأُولئك لهم الخيرات وأُولئك هم المفلحون * أعدّ الله لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها
ذلك الفوز العظيم([9]). والمبايعة مع الله من الفوز العظيم : (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم([10]).

وطاعة الله وطاعة رسوله (ولاية الله) من الفوز العظيم : (... ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً([11]).

ورضوان الله وتبادل الرضا بين العبد وربّه من الفوز العظيم : (... رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم([12]).

ويطلق على الجنّة ورضوان الله معاً : (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيّبة في جنّات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم([13]).

ويطلق على المغفرة والرحمة الإلهية، والوقاية من السيّئات (وقهم السيئات ومَن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم([14]).

وإجمال هذه المعاني : الرحمة والمغفرة الإلهية ورضوان الله وطاعة الله ورسوله (ولاية الله والجنّة).

وهذه النقاط كما هي واضحة تعتبر بمجموعها المحور الثاني الذي تحدثنا عنه في هذه التأملات في مسيرة الإنسان إلى الله والذي يقابل محور (الأنا) و (الذات).

وعليه فإنّ الثمن في هذه الآية الكريمة من جنس المبيع وهو (الفوز العظيم) وليس من نوع آخر كما في سائر البيوع، حيث يختلف المبيع عن الثمن وهذه من لطائف ورقاق القرآن في هذه الآية الكريمة.

فالفوز العظيم في الحقيقة هو التجرّد من محور الأنا والإرتباط بمحور ولاية الله، والخروج من دائرة نفوذ سلطان الأنا والدخول في دائرة ولاية الله وطاعته ورحمته ومغفرته.

وهذا هو الفوز العظيم ـ في رحلة الإنسان الكبرى إلى الله ـ في الدنيا وفي الآخرة، وهو يشمل الإنسان في الآخرة كما يناله في الدنيا على نحو سواء.

والمتأمل في هذه الآية المباركة : (الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم([15]) يجد أنّ الفوز العظيم هو تحرر الإنسان وانطلاقه من أسر (الأنا) والشهوات وارتباطه بالله تعالى، وهو لايخصّ الآخرة وإنّما يشمل الإنسان في الدنيا والآخرة.

فإنّ الجنّة هي الفوز العظيم، وهي مآل الفائزين برحمة الله، والمنزل الذي أعده الله تعالى لهم في الآخرة، فالفوز العظيم إذن هو مبايعة الله تعالى وتسليم الأنفس والأموال له وهو في نفس الوقت ثمن هذا البيع ([16]).

 

صفة الذين باعوا أنفسهم لله :

ثم تصف الآية الكريمة هؤلاء الذين باعوا أنفسهم لله بأنّهم : (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشّر المؤمنين([17]).

تائبون عائدون إلى الله، أقلعوا عن الذنوب وفرّوا إلى الله تعالى.

عابدون حامدون شوقاً إلى الله تعالى، واُنساً بذكره وعبادته، لأنّهم وجدوا الله أهلاً للعبادة فعبدوه وأهلاً للحمد والثناء فحمدوه.

وسائحون : وقد إختلف المفسرون في تفسير هذه الكلمة فقالوا : إنّها بمعنى الصيام، وقيل : إنّها بمعنى الجهاد، وقيل : إنّها بمعنى التأمل والسياحة الفكرية في آيات الله، وهو المعنى الذي اُرجحه هنا.

الراكعون الساجدون لله، والركوع والسجود أقصى درجات الخضوع والتذلل بين يدي الله يجسّدان حالة الخشوع والخضوع والإخبات والإنابة عند المؤمنين : (... الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر...) (والحافظون لحدود الله...)والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الرقابة على تنفيذ أحكام الله ومراقبتها. وحفظ حدود الله هو تنفيذها، والعمل بها.

فهؤلاء المجاهدون إذن منفّذون لأحكام الله، عاملون بحدود الله، وفي نفس الوقت يراقبون تنفيذها، ينفذون أحكام الله بأنفسهم، ويراقبون تنفيذها في حياة الآخرين، فهم يشعرون بالمسؤولية تجاه حدود الله وأحكامه في حياتهم وفي حياة الآخرين.


 

 

آيـة (آل عمران)

وفي سورة آل عمران نلتقي هذه اللوحة القرآنية الرائعة عن الشهيد والتي تستوقف الإنسان طويلاً، وتخرجه من دائرة تصوّراته البشرية المحدودة عن الموت والحياة إلى اُفق واسع جديد لم تعهده تصوّراتنا المحدودة عن الموت والحياة وتعطي للحياة معنىً جديداً لا تعرفه التصوّرات الجاهلية للإنسان. وها نحن نتلو معاً هذه الآيات المباركات من سورة آل عمران : ( ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربّهم يُرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاّ خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للّذين أحسنوا منهم واتّقوا أجر عظيم * الذين قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لّم يمسسهم سوء واتّبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنّما ذلكم الشّيطان يخوّف اولياءه فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين([18]).

 

الحياة الطيّبة :

الحقيقة الاُولى في هذه اللوحة القرآنية :

إن الذين قُتلوا في سبيل الله أحياء وليسوا باموات، والنهي عن تصوّر أنّ الشهداء أموات : (ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً...)، إنّ المسألة ليست من المجاز في التعبير، وإنّما هي حقيقة داخلة في حيّز النفي والإثبات : النهي عن حسبان الشهداء أمواتاً، وإثبات أنّهم أحياء، وهذا تصور جديد على الذهنية المادية تماماً.

ليست الحياة هي فقط هذه الفرصة وهذه الرقعة الضيّقة التي يعيشها الإنسان في هذه الدنيا.

وليست الحركة الحيوانية التي يمارسها الإنسان في هذه الدنيا من أكل وشرب، وتسابق على متاع الحياة الدنيا وزخرفها، ونشاط وحركة في حقل الغرائز الحيوانية هي المؤشر والمقياس الوحيد للحياة. فهذه رقعة صغيرة للحياة، محدودة الأمد، قصيرة المدى، حافلة باللهو واللعب. إنّ ما بأيدي الناس هنا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، وليس من الحياة في شيء، أما النبع الصافي والزلال للحياة فشيء آخر، يختلف تماماً عمّا يعرفه الناس، والله تعالى ورسوله يدعوانا إلى الحياة الطيّبة الحقيقية : (يا أيّها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم...([19]).

وهذا الذي يدعونا إليه الله تعالى ورسوله من الحياة شيء آخر غير ما يتنافس عليه الناس; من اللهو واللعب، والتفاخر، والزينة، وما يشوبه من البعد عن الله
والبغضاء، والمعاصي والذنوب، والإستغراق في متاع الحياة الدنيا، والتعلّق بها، وحياة الذل والهوان والعبودية لغير الله، والإستسلام للأهواء والشهوات.

إنّ الحياة في التصوّر الإسلامي انطلاق من القيود والأغلال، وتحرر من أسر الهوى والشهوات، وخروج من ذل الانقياد والإستسلام للطغاة إلى عزّ العبودية لله تعالى; والحياة في هذا التصوّر الجديد على البشرية تحرر من كلّ تعلق بالدنيا، لا بمعنى ترك الدنيا ولذّاتها، فإنّ الإنسان المؤمن يأخذ نصيبه مما خلق الله من الطيّبات كالآخرين أو أفضل من الآخرين، إلاّ أنّه لا يقع في قبضة التعلق بالدنيا ولا تتحكم فيه ولا يكون مصداقاً لقوله (عليه السلام) : «حب الدنيا رأس كلّ خطيئة» ([20]).

إنّ ما بأيدي الناس من الحياة ليس من الحياة في شيء، وإنّما هي أقرب إلى حياة البهائم منها إلى حياة الإنسان. أمّا الحياة الحقيقية فهي التي اختارها الله للصالحين من عباده في الدنيا والآخرة وهي (الحيوان) في الآخرة. (... وإنّ الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون([21]) والحيوان مبالغة في الحياة، إنّها الحياة الحافلة بلقاء الله والإيمان، والحب، والشهود، والصدق، والطيّبات، وفي اُفق واسع عريض، وعلى مدى الخلود والأبدية، حياة الروح والجسم والعقل معاً. والشهيد في حركته الصاعدة إلى الله ينتقل من هذه الرقعة الضيقة من الحياة الفانية والمؤقتة إلى ذلك الاُفق الرحيب من الحياة، ومن هذه المشوبة بالأكدار والابتلاءات إلى النبع الصافي الزلال من الحياة، وليس إلى الموت والركود والغياب كما يتصوره الناس.

 

أعلى درجات القرب من الله :

(عند ربّهم) وهذه الفقرة تدخل لتكمل صورة هذه الحياة الحقيقية التي ينتقل إليها الشهيد في مسيرته إلى الله تعالى. إن غاية حركة الشهيد إلى الله، وهذه الغاية هي كلّ قيمة الحياة، وتكتسب الحياة قيمتها الحقيقية عندما تقترن بالقرب من الله وتوصل الإنسان إليه وتجعله بجواره، أمّا عندما تنقطع الحياة من التحرك إلى الله، ومن قربه، ومن التوجه إليه، فهي سراب وضياع له في متاهات الدنيا، واستغراق في متاعها وحطامها.

إنّ غاية الإنسان في مسيرته وحركته الكادحة الكبرى في الدنيا هي القرب من الله ولقاء الله، وهي الغاية التي يسعى إليها الشهيد (يا أيّها الانسان انّك كادح الى ربّك كدحاً فملاقيه([22]).

وما يحقق الإنسان في الدنيا من هذه الغاية هو قيمته ودرجته، والقرب من الله هو المقياس الذي يقيس به الإسلام أقدار الناس ومراتبهم; والناس في القرب والبعد من الله درجات ومراتب... حتّى يكون الإنسان (عند الله)، فلا تكون ثمة درجة أقرب إلى الله منه إلى الله. ولا تجد في اللغة تعبيراً أقوى وأبلغ في (القرب) من كلمة (عند) وكأنّ الفواصل تنعدم في هذه الدرجة من القرب، وحاشا ربّنا من ملابسة خلقه وعباده وتبارك وتعالى من أن يرتفع عباده إلى مستوى كبريائه وعزّه وجلاله، ولكنّه تعبير بليغ عن أقرب درجات القرب إلى الله; وقد ورد في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «فوق كلّ برّ  برٌّ حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قُتل في سبيل الله عزّوجلّ، فليس فوقه برّ» ([23]). وروي عنه (صلى الله عليه وآله) : «فوق كلّ ذي برّ برٌّ حتى يُقتل الرجل في سبيل الله فليس فوقه برّ» ([24]).

إنّ كلمة (عند ربّهم) لتستوقف الإنسان طويلاً ! أيبلغ الأمر بالعبد الوضيع أن يكون (عند ربّه) هكذا من دون فواصل ومراحل، وبمثل هذه الدرجة من القرب (عند ربّه)، وتعالى الله عن ملابسة مخلوقاته علواً  كبيراً. وقد ورد مثل هذا التعبير في القرب من الله في سورة القمر بالنسبة إلى المتقين : (انّ المتّقين في جنات ونهر* في مقعد صدق عند مليك مقتدر([25]). وفي المناجاة الشعبانية : «... إلهي هبّ لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل الى معدن العظمة...» ([26]).

وحالة «كمال الانقطاع إلى الله تعالى» هي التي توصل الإنسان إلى معدن العظمة، وتخرق له حجب الظلمة والنور إلى الله تعالى; وفي المناجاة :

«إلهي فاسلُك بنا سبل الوصول إليك، وسيّرنا في أقرب الطرق للوفود عليك» ([27]).

وليس من أحد تنطبق عليه هذه الفقرات أكثر من الشهيد، فهو يسلك إلى الله تعالى أقرب الطرق، وليس من طريق أقرب إلى الله من الشهادة ثم يفد على الله تعالى.

يقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «إنّ لله عباداً في الأرض كأنّما رأوا أهل الجنّة في جنتهم، وأهل النار في نارهم، يجأرون الى الله سبحانه بأدعيتهم، قد حلا في أفواههم، وحلا في قلوبهم طعم مناجاته، ولذيذ الخلوة به، قد أقسم الله على نفسه بجلاله وعزّته ليورثنّهم المقام الأعلى في مقعد صدق عنده» ([28]). هؤلاء هم الذين يورّثهم الله المقام الأعلى، ويرزقهم الله جواره في الجنّة، ويسكنهم في مقعد صدق عنده، وهم الذين يفدون على الله.

 

(يرزقون) :

وهذه الكلمة تشخص نوع الحياة، إنّها حياة حقيقية معنوية خالصة، بل هي الحياة بكل أبعادها المادية والمعنوية، وهذه الجملة لا تُبقي لأحد مجالاً للشكّ في تشخيص هذه الحياة بعد حياة الدنيا. ومن العجب أن بعض المفسرين يتردّدون في تفسير هذه الآية بالحياة الحقيقية، والآية الكريمة ترسم الحياة بصورة واضحة; فالشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون في حياتهم الجديدة، ويفرحون بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين من خلفهم، وهل بعد كلّ هذه النقاط غموض في معنى الحياة التي تلي هذه الحياة والتي تسبق الحياة الآخرة، إنّ هذه الثانية ليست هي الحياة الآخرة، فالحياة الآخرة ليست موضع إنكار أحد من المؤمنين، والآية حيث تنهى عن حسبان الشهداء من الأموات فإنها تكاد تكون صريحة في أنّ المقصود من هذه الحياة : حياة اُخرى غير حياة الآخرة; فإنّ أحداً من المؤمنين لا يشكّ في حياة الآخرة للشهيد ولغير الشهيد، فلابُدّ أن يكون المقصود حياة اُخرى بين حياة الدنيا وحياة الآخرة، وهي التي يجهلها الكثير من المؤمنين، ينتقل إليها الشهيد من الحياة الدنيا مباشرة، ويعيش فيها بجوار ربّه تبارك وتعالى، والناس ينظرون إلى الشهيد جثة هامدة فيتصوّرون أنّه ميّت، وليس هو بميّت، وإنّما ينعم في جوار ربّه بما أعدّ الله للصالحين من عباده من فضل ورحمة في الجنّة، حتّى ينتقل في الآخرة إلى حيث يختار الله تعالى له من مراتب رحمته وفضله في جنّه عرضها السماوات والأرض.

وفي أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته شواهد كثيرة على هذه الحياة البرزخية التي يحياها الشهداء والصالحون من عباد الله في الجنّة، وينعمون فيها برحمة الله قبل الحشر والحياة الآخرة، ففي الحديث عن جابر بن عبدالله الأنصاري عن رسول الله فيما جرى للمسلمين في حرب مؤتة بعد إستشهاد زيد ابن حارثة وجعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن رواحة الأنصاري (رحمهم الله) الذين عيّنهم النبيّ (صلى الله عليه وآله) قادة للجيش على التوالي، إن إستشهد منهم أحد، تولى الآخر محله، يقول جابر (رحمه الله) :

«فلمّا كان اليوم الذي وقع فيه حربهم صلّى النبيّ (صلى الله عليه وآله) بنا الفجر ثم صعد المنبر فقال : قد التقى إخوانكم مع المشركين للمحاربة فأقبل يحدّثنا بكرّات بعضهم على بعض، إلى أن قال : قُتل زيد بن حارثة وسقطت الراية، ثم قال : قد أخذها جعفر بن أبي طالب وتقدّم للحرب، ثم قال : قد قُطعت يده، وقد أخذ الراية بيده الاُخرى، ثم قال : قُطعت يده الاُخرى، وقد أخذ الراية في صدره، ثم قال : قُتل جعفر بن أبي طالب وسقطت الراية، ثم أخذها عبدالله بن رواحة، وقد قتل من المشركين كذا، وقُتل من المسلمين كذا، فلان وفلان إلى أن ذكر جميع من قتل من المسلمين بأسمائهم، ثم قال : قُتل عبدالله بن رواحة، وأخذ الراية خالد بن الوليد فانصرف المسلمون، ثم نزل عن المنبر وصار إلى دار جعفر، فدعا عبدالله بن جعفر فأقعده في حجره وجعل يمسح على رأسه، فقالت والدته أسماء بنت عميس : يا رسول الله إنّك لتمسح على رأسه كأنّه يتيم قال : قد أستشهد جعفر في هذا اليوم، ودمعت عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال : قطعت يداه قبل أن يستشهد وقد أبدله الله بجناحين من زمرد أخضر، فهو الآن يطير بهما في الجنّة مع الملائكة كيف يشاء» ([29]).

 

(فرحين بما آتاهم الله من فضله...([30]) :

إن فرح الشهيد بما يؤتيه الله تعالى من فضله ورحمته الواسعة لا حدّ له، أنه يستقبل الرحمة الإلهية الواسعة، ويرى ما أعدّ الله تعالى من فضل ورحمة قبل أن تفارق الروح جسده وقبل أن يلفظ آخر أنفاسه. روى زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام)،عن آبائه،قال :قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «للشهيد سبع خصال من الله :

أول قطرة من دمه : مغفور له كلّ ذنب.

والثانية : يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين وتمسحان الغبار عن وجهه، وتقولان : مرحباً بك، ويقول : هو مثل ذلك لهما.

والثالثة : يكسى من كسوة الجنّة.

والرابعة : تبتدره خزنة الجنّة بكل ريح طيّبة أيّهم يأخذه معه.

والخامسة : أن يرى منزله.

والسادسة : يقال لروحه إسرح في الجنّة حيث شئت.

والسابعة : أن ينظر في وجه الله، وإنّها لراحة لكل نبيّ وشهيد» ([31]).

 


 


([1]) الحج / 40.

([2]) البقرة / 193.

([3]) التوبة / 111.

([4]) الجامع الصحيح لمسلم 6 / 44، كتاب الامارة / باب ثبوت الجنة للشهيد. دار الفكر ـ     بيروت.

([5]) الجامع الصحيح لمسلم 6 / 45، كتاب الامارة / باب ثبوت الجنة للشهيد.

([6]) تأريخ الطبري 6 / 241.

([7]) مقتل المقرّم / 238.

([8]) صحيح مسلم 6 / 43.

([9]) التوبة / 88 ـ 89 .

([10]) التوبة / 111.

([11]) الاحزاب / 71.

([12]) المائدة / 119.

([13]) التوبة / 72.

([14]) المؤمن / 9.

([15]) يونس / 63 ـ 64.

([16]) لست اُريد أن أقول إنّ الجنّة هي مبايعة الله تعالى وتسليم الأنفس والأموال لله، وانّما اُريد ان
               
  أقول : إنّ المبايعة لله هي الفوز العظيم فيتحد البيع والثمن; والجنّة هي الدار التي أعدها الله
               
  تعالى في الآخرة للفائزين الصالحين من عباده.

([17]) التوبة / 112.

([18]) آل عمران / 169 ـ 175.

([19]) الانفال / 24.

([20]) بحار الأنوار 51 / 258.

([21]) العنكبوت / 64.

([22]) الانشقاق / 6.

([23]) بحار الأنوار 100 / 10.

([24]) بحار الأنوار 74 / 61.

([25]) القمر / 54 ـ 55.

([26]) مفاتيح الجنان / 158. مناجاة الأئمة (عليهم السلام) في شعبان.

([27]) بحار الأنوار 94 / 147.

([28]) تفسير البصائر 42 / 391.

([29]) بحار الأنوار 21 / 54 نقلاً عن الخرائج 188.

([30]) آل عمران / 170.

([31]) تهذيب الأحكام 6 / 122.

 

 

 

 

(... ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم...([1]) :

إنّ الشهداء لم يموتوا ولم ينال الموت منهم وعياً ودركاً; أنّهم يرون إخوانهم المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم بعد، ويتابعون حركتهم ومسيرتهم، ويدعون الله تعالى لهم، ويستبشرون بوفود إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم بعد عليهم، وإن لكلّ لقاء جديد فرحة جديدة وبشرى جديدة، وفي كلّ يوم لهم بشرى جديدة بلقاء أخ جديد في الله، يفد على الله من بين لظى المعركة، ويقبل عليهم فيستقبلونه بالابتهاج والسرور.

إنّهم حاضرون (وشهداء) المعركة، لم يغيبوا عنها بالموت ولم يكن الموت بالنسبة إليهم غياباً، إنهم عند ربّهم يشهدون المعركة ويتابعون أحداثها، ويدعون للمقاتلين ويستبشرون بالقادمين منهم إليهم، وحاشا أن يكون اُولئك أمواتاً بل هم من شهداء المعركة وحضّارها، إنّما الأموات هم اُولئك الغائبون عن مسيرة التأريخ وحياة الناس، وصراع الحقّ والباطل، وجهاد المؤمنين، وهم اولئك الذين يؤثرون الحياة الدنيا وعافيتها، ويخلدون إلى الراحة ويعتزلون تيّار العمل والحركة والجهاد، ويعيشون على هامش الحياة والتأريخ، يتفرجون على الصراع من بعيد، اُولئك هم الأموات، بالرغم من أنّهم يستنشقون الهواء ويتحركون، اُولئك أحياء الأموات الذين لا يعرفون للحياة معنى غير هذه الحياة التي يعيشها البهائم، ولا يعرفون في الحياة لذّة ومتاعاً إلاّ ما يعرفه الحيوان من اللذة والمتاع، ولا تتجاوز إهتماماتهم وطموحاتهم شهوات الحيوانات وإهتماماتها، اُولئك هم الغائبون الأموات.

أما الشهداء فلا يغيبون عن هذه الساحة لحظة واحدة، ويشهدون عن كثب من عند ربهم كلّ تطورات المسيرة، وحركتها، وتقدّمها، وانتصاراتها، وانتكاساتها، وآلامها، وآمالها، وتطلعاتها، وطموحاتها، ومعاناتها، ولكن بنَفَسَ يختلف عن أنفاسنا ورؤية تختلف عن رؤانا وتصوّر يختلف عن تصوّراتنا المحدودة.

 

لا خوف ولا حزن :

وذلك قوله تعالى : (... ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون([2]). فهم ينظرون إلى إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم بعد وإلى المسيرة الحافلة بالدماء والجهاد والإنتصارات والإنتكاسات والآلام والمرارات. بهذه الرؤية الربّانية : (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

أما نحن، هنا في هذه الدنيا، فرؤيتنا تختلف، إننا ننظر إلى المسيرة من خلال تصوّراتنا البشرية التي يشوبها الضعف وقصر المدى والتشويش، وينتابنا القلق والإرتباك كلما توقعنا مصيبة تنزل بنا في حركتنا، وكلما توقعنا عاصفة تعصف بنا، ولاتذر لنا رطباً ولا يابساً، وينتابنا الحزن والألم كلما نزلت بنا داهية، أو عمّتنا مصيبة فتضيق بنا الأرض بسعتها، وتعتصرنا الآلام : آلام الفراق ومرارة الإنتكاسات وشدة الابتلاء في الأنفس والأموال والأرزاق والأمن، فالمسيرة بالنسبة إلينا ـ ومن خلال تصوّراتنا ـ حافلة بالخوف والحزن; الخوف على ما نتوقعه من الابتلاء، والحزن على ما نزل بنا من ابتلاء وشدة، وقليل من عباد الله الذين تصفُو لهم الرؤية في وسط هذه المسيرة الحافلة بالدماء والآلام، فلا يعيشون خوفاً ولا حزناً.

أمّا الشهداء فرؤيتهم وتصوّرهم لهذه المسيرة يختلف عن رؤيتنا وتصوّراتنا البشرية المشوبة بضعف الإنسان، أنها رؤية اكتسبوها من عند الله صافية، بعيدة المدى، ملؤها الثقة والاطمئنان بالله تعالى، رزقهم الله تعالى إيّاها من عنده، فهم يرون المسيرة الربانية على وجه الأرض بهذه الثقة والطمأنينة وبهذه الرؤية الصافية من غير خوف ولا قلق ولا حزن، ومن ثم يستبشرون بإخوانهم الذين لم
يلحقوا بهم بعد، والذين يخوضون غمار المعركة ألاّ خوف عليهم ولا هم يحزنون، ألاّ يخافوا من شيء يستقبلهم ولا يحزنوا على شيء فاتهم، فلن يتجاوزهم نصر الله الذي وعد الله به الصالحين من عباده، ولن يتخطاهم النصر والتأييد والدعم والإمداد من الله، في وسط هذا الصراع الحافل بالدماء والآلام والمرارات والمعاناة.

(ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين * ونُمكّن لهم في الأرض ونُري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون([3]).

فعلامَ الخوف والقلق والارتباك من المستقبل ؟ فلن يصيبهم أذى أو تعب في سبيل الله، ولن تقسو عليهم الابتلاءات، إلاّ كتب الله تعالى لهم بكل ذلك عملاً صالحاً وأجراً.

(... ذلك بأنّهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطــون موطئاً يغيظ الكفّار ولا ينالون من عدو نيلاً إلاّ كُتب لهم به عمل صالح...([4]).

فعلامَ الحزن مما يصيبهم من ابتلاءات ومحن وآلام ومما يعانون في سبيل الله ؟

إذن : ( لا خوف ولا حزن) في هذه المسيرة، وليس على العاملين في هذه المسيرة الكادحة ذات الشوكة حزن أو خوف مما أصابهم أو يصيبهم من ابتلاء. تلك هي الرؤية الربانية الصافية الواثقة، بعيدة المدى للمسيرة، وإن علينا ـ نحن العاملين في سبيل الله على خطى الشهداء ـ أن نتسلح بهذه الرؤية ونبدل رؤيتنا القلقة والمرتبكة الخائفة بالرؤية الربانية الواثقة والمطمئنة بعيدة المدى لنتمكن من حمل عبء المسؤولية الشاقة ومواصلة السير على طريق الأنبياءوالمرسلين.

 

 

 

 

 

ثـأر الله

 

رحلة الشهادة في السنّة الشريفة

باقة عطرة من الحديث الشريف في قيمة الشهيد

وإليكم هذه الباقة العطرة من الروايات في فضل الشهادة وقيمتها :

* عن الصادق (عليه السلام) : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «فوق كلّ برّ برّ حتّى يُقتل الرجل في سبيل الله، فليس فوقه برّ، وان فوق كلّ عقوق عقوقاً حتّى يقتل الرجل أحد والديه، فإذا فعل ذلك فليس فوقه عقوق» ([5]).

* عن المقدام بن معديكرب قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «للشهيد عند الله ست خصال : يغفر له من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار : الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج إثنين وسبعين زوجة من الحور، ويشفع في سبعين من أقاربه». قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب ([6]).

* سأل أبو ذر النبيّ (صلى الله عليه وآله) : أي الأعمال أحبّ إلى الله عزّوجلّ ؟

فقال (صلى الله عليه وآله) : «إيمان بالله وجهاد في سبيله.

قال : فقلت : أي الجهاد أفضل ؟

قال : من عفّر جواده، واهريق دمه في سبيل الله» ([7]).

* العياشي في تفسيره عن جابر عن أبي جعفر قال : أتى رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله)فقال : إني راغب نشيط في الجهاد. قال فجاهد في سبيل الله فإنك إن تقتل كنت حياً عند الله، وترزق، وإن متّ فقد وقع أجرُك على الله وإن رجعت خرجت من الذنوب إلى الله. هذا تفسير (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً([8]).

* عن مسعدة بن صدقة عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) : أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)قال : «ثلاثة يشفعون إلى الله عزّوجلّ فيشفعهم : الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء» ([9]).

* وكان الإمام الحسين (عليه السلام) يقول في مسيرته إلى كربلاء : «إني لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما» ([10]).

* وعن أنس بن مالك عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) :

قال : ما من عبد يموت له عند الله خير، يسره أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها إلاّ الشهيد لما يرى من فضل الشهادة فإنّه يسرّه أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرّة اُخرى ([11]).

* وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : سمعت النبيّ (صلى الله عليه وآله) يقول : «والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سريّة تغزو في سبيل الله. والذي نفسي بيده لوددت أن اُقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم اُقتل ثم أحيا ثم اُقتل ثم أحيا ثم اُقتل» ([12]).

* وعن جابر بن عبدالله : قال له رجل : أين أنا يا رسول الله إن قتلت ؟ قال في الجنّة. فألقى تمرات كُنّ في يده ثمّ قاتل حتّى قُتِل ([13]).

* عن ابن إسحاق عن البرّاء قال : جاء رجل من النبيت، قبيل من الأنصار. فقال أشهد أن لا اِله إلاّ الله وأنك عبده ورسوله، ثم تقدّم فقاتل حتّى قتل. فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : عَمِل هذا يسيراً واُجِرَ كثيراً ([14]).

* وعن انس بن مالك في حوادث معركة بدر قال : «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض. قال : يقول عمير بن الحُمام الأنصاري : يا رسول الله جنّة عرضها السماوات والأرض ؟ قال : نعم. قال : بخ بخ فقال رسول الله ما يحملك على قول بخ بخ قال : لا والله يا رسول الله إلاّ رجاء أن أكون من أهلها. قال : فإنّك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه يأكل منهن. ثمّ قال : لئن أنا حييت حتّى آكل تمراتي هذه أنها لحياة طويلة قال فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتّى قتل» ([15]).

* وقال محمّد بن المنكدر : إنه سمع جابراً يقول : جيء بأبي إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله)وقد مُثل به ووضع بين يديه فذهبت أكشف عن وجهه فنهاني قومي. فسمع صوت صائحة فقيل ابنة عمر أو اُخت عمر. فقال : لِمَ تبكي ؟ أو لا تبكي مازالت الملائكة تظلله بأجنحتها ([16]).

* عن مسروق قال سألنا عبدالله ([17]) عن هذه الآية (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) قال : أما إنا قد سألنا عن ذلك.فقال أرواحكم في جوف طير خضر لها قناطيل معلقة بالعرش تسرح في الجنّة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل ([18]).

وكان أمير المؤمنين يقول :

«أيّها الناس إن الموت لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، ليس عن الموت محيد ولا محيص. من لم يقتل مات، إنّ أفضل الموت القتل.

والذي نفس عليّ بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش» ([19]).

وعن الإمام الصادق(عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « ثلاثة يشفعون إلى الله يوم القيامة : الأنبياء، ثم العلماء ثم الشهداء» ([20]).

* عن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) :

قال : «ما من قطرة أحبّ إلى الله عزّوجلّ من قطرتين، قطرة دم في سبيل الله، وقطرة دمعة في سواد الليل، لا يريد بها عبد إلاّ الله عزّوجلّ» ([21]).

وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) : قال : «ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دم في سبيل الله، أو قطرة من دموع عين في سواد الليل من خشية الله. وما من قدم أحب إلى الله من خطوة إلى ذي رحم أو خطوة يتمّ بها زحفاً في سبيل الله. وما من جرعة أحبّ إلى الله من جرعة غيظ أو جرعة ترد بها العبد مصيبة» ([22]).

* عن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «إنّ أبخل الناس من بخل بالسلام، وأجود الناس من جاد بنفسه وماله في سبيل الله» ([23]).

* عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال : بينما أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يخطب الناس، ويحضهم على الجهاد إذ قام إليه شابٌ فقال : يا أميرالمؤمنين أخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله فقال علي (عليه السلام) : كنت رديف رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ناقته العصباء، ونحن قافلون من غزوة ذات السلاسل، فسألته عمّا سألتني فقال : إن الغزاة إذا همّوا بالغزو كتب الله لهم براءة من النار، فإذا تجهزوا لغزو باهى الله تعالى بهم الملائكة، فإذا ودعهم أهلوهم بكت عليهم الحيطان والبيوت ويخرجون من ذنوبهم كما تخرج الحيّة من سلخها، ويوكل الله عزّوجلّ بهم بكل رجل منهم أربعين ألف ملك يحفظونه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله. ولا يعمل حسنة إلاّ ضعفت له، ويكتب له كلّ يوم عبادة ألف رجل يعبدون ألف سنة، كلّ سنة ثلاثمائة وستون يوماً، واليوم مثل عمر الدنيا، وإذا صاروا بحضرة عدوهم انقطع علم أهل الدنيا عن ثواب الله إيّاهم، وإذا برزوا لعدوهم وأشرعت الأسنة وفوقت السهام وتقدّم الرجل إلى الرجل حفتهم الملائكة بأجنحتهم، ويدعون الله لهم بالنصر، والتثبت فينادي مناد : الجنّة تحت ظلال السيوف، فتكون الطعنة والضربة على الشهيد أهون من شرب الماء البارد في اليوم الصائف، وإذا زل الشهيد عن فرسه بطعنة أو ضربة لم يصل إلى الأرض حتّى يبعث الله عزّوجلّ زوجته من الحور العين، فتبشره بما أعد الله له من الكرامة، وإذا وصل إلى الأرض تقول له : مرحباً بالروح الطيبة التي أخرجت من البدن الطيب، أبشر فإن لك ما لا عين رأت ولا اُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويقول الله عزّوجلّ : أنا خليفته في أهله، ومن أرضاهم فقد أرضاني، ومن أسخطهم فقد أسخطني، ويجعل الله روحه في حواصل طير خضر تسرح في الجنّة حيث تشاء تأكل من ثمارها. وتأوي إلى قناديل من ذهب معلّقة بالعرش ([24]).

* ويقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : لما أنزل الله سبحانه قوله : ( الم * أحسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمناوهم لا يفتنون([25]) علمت أن الفتنة لا تنزل بنا، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أظهرنا. فقلت يا رسول الله أو ليس قد قلت لي يوم اُحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحيزت عنّي الشهادة، فشق ذلك عليّ فقلت لي : أبشر فإن الشهادة من ورائك. فقال لي : إن ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذن ؟ فقلت : يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر ([26]).

يقول إبن أبي الحديد في شرح هذه الفقرة من نهج البلاغة : وهذا الخبر مروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد رواه كثير من المحدثين عن عليّ (عليه السلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)قال له : «إنّ الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب عليَّ جهاد
المشركين» قال فقلت يا رسول الله ما هذهِ الفتنة التي كتب عليّ فيها الجهاد ؟ قال : قوم يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله وهم مخالفون للسنّة، فقلت يا رسول الله فعلامَ اُقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد ؟ قال : على الأحداث في الدين ومخالفة الأمر. قلت يا رسول الله : إنك كنت وعدتني الشهادة فاسأل الله أن يعجلها لي بين يديك. قال : فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، أما إني وعدتك الشهادة وستستشهد تضرب على هذه فتخضب هذه، فكيف صبرك إذن ؟ قلت يا رسول الله : ليس ذا بموطن صبر. هذا موطن شكر، قال : أجل أصبت ([27]).

* ويقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «فو الله لولا طمعي عند لقاء عدوّي الشهادة وتوطيني نفسي عند ذلك لأحببت ألاّ أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً» ([28]).

ولما ضرب ابن ملجم لعنه الله أميرالمؤمنين (عليه السلام) على رأسه قال (عليه السلام) : «فزت ورب الكعبة» ([29]).

* وقال أميرالمؤمنين (عليه السلام) بعدما ضربه ابن ملجم : «والله ما فجأني من الموت وارد كرهته ولا طالع انكرته وماكنت إلاّ كقارب ورد وطالب وجد» ([30]).

* عن أبي بكر بن عبدالله بن قيس عن أبيه قال : سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «إنّ أبواب الجنة تحت ظلال السيوف». فقام رجل رث الهيئة فقال. : يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول هذا ؟ قال
نعم. قال فرجع إلى أصحابه فقال أقرأ عليهم السلام، ثم كسر جفن سيفه، فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتّى قتل ([31]).

* عن أنس بن مالك قال جاء ناس إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقالوا أن إبعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنّة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء، فيهم خالي حرام يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراء. فبعثهم النبيّ (صلى الله عليه وآله) إليهم، فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان. فقالوا اللهم بلّغ عنّا نبيّنا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنّا. وأتى رجل حراماً، خال أنس، من خلفه فطعنه برمح حتّى أنفذه فقال حرام : فزت وربّ الكعبة. فقال رسول الله لأصحابه : إن اخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا : اللهم بلّغ عنّا نبيّنا اِنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا ([32]).

وعن ثابت قال : قال أنس : عمي الذي سميّت به لم يشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)بدراً فشق عليه، قال : أول مشهد شهده رسول الله (صلى الله عليه وآله) غُيبّت عنه، وإن أراني الله مشهداً فيما بعد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)ليراني الله ما أصنع. قال : فهاب أن يقول غيرها. قال فشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم أحد فاستقبل سعد بن معاذ. فقال له أنس يا أبا عمرو أين ؟ فقال واها لريح الجنّة، أجده دون اُحُد... قال فقاتلهم حتّى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية قال : فقالت اُخته : عمتي الرُبيّع بنت النضر : فما عرفت أخي إلاّ ببنانه، ونزلت هذهِ الآية : (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً([33]).

* وعن أنس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يؤتى بالرجل من أهل الجنّة فيقول الله له يا ابن آدم كيف وجدت منزلك ؟ فيقول : أي ربّ خير منزل فيقول سل وتمنّه. فيقول : وما أسألك وأتمنى ؟ أسألك أن تردني إلى الدنيا فاُقتل في سبيلك عشر مرات لما يرى من فضل الشهادة ([34]).

* وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : «يغفر للشهيد كلّ ذنب إلاّ الدَين» ([35]).

* وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : «ان أوّل قطرة تنزل من دم الشهيد يكفر بها ذنوبه والثانية يكسى من حُلل الإيمان والثالثة يزَوّج من حور العين» ([36]).

* وعن أبي هريرة قال : ذكر الشهيد عند النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال : لا يجف الأرض من دم الشهيد حتّى تبتدره زوجتاه كأنهما ظئران اظلّتا فصيليهما في براح من الأرض، وفي يد كلّ واحدة منهما حلّة خير من الدنيا وما فيها ([37]).

قال المنذري في الترغيب في التعليق على الحديث، الظئر هي المرضع، ومعناه أن زوجتيه من الحور العين تبتدرانه وتحنوان عليه وتظللانه كما تحنو الناقة المرضع على فصيلها.

* وعن إبن عباس، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «الشهداء على بارق يهز بباب الجنة، في قبضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً» ([38]).

* وعن أنس بن مالك أن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال : إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دماً، فازدحموا على باب الجنّة، فقيل من هؤلاء ؟ قيل هؤلاء الشهداء كانوا أحياءً مرزوقين ([39]).

وعن نعيم بن عمّار أن رجلاً سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أيّ الشهداء أفضل ؟ قال الذين إن يلقوا في الصف الأول لا يلفتون وجوههم حتّى يقتلوا اُولئك ينطلقون في الغرف العُلا من الجنّة ([40]).

* وعن أنس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ألا اُخبركم عن الأجود، الله الأجود الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم من بعدي رجل علم علماً فنشر علمه، يبعث يوم القيامة اُمة واحدة، ورجل جاد بنفسه لله عزّوجلّ حتّى يقتل. رواه أبو يعلى والبيهقي ([41]).

* عن رجل من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّ رجلاً قال : يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلاّ الشهيد ؟ قال : «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة». رواه النسائي([42]).

* عن أنس بن مالك أنّ رجلاً أسود أتى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال : يا رسول الله اني أسود منتن الريح قبيح الوجه لا مال لي. فإن أنا قاتلت هؤلاء حتّى اُقتل فأين أنا ؟ قال : في الجنّة. فقاتل حتّى قتل، فأتاه النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال : «قد بيّض الله وجهك وطيّب ريحك وأكثر مالك» ([43]).

* جاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى جسد شهيد نجدي فقعد عند رأسه مستبشراً يضحك ثم أعرض عنه، فقلنا يا رسول الله رأيناك مستبشراً تضحك ثم أعرضت عنه. فقال أما ما رأيتم من استبشاري فلما رأيت من كرامة روحه على الله عزّوجلّ، وأمّا إعراضي عنه فإن زوجته من الحور العين الآن عند رأسه. رواه البيهقي بإسناد حسن ([44]).

* عن عامر بن سعد عن أبيه : أنّ رجلاً جاء إلى الصلاة والنبيّ (صلى الله عليه وآله) يصلي. فقال حين إنتهى الصف : اللهمَّ آتني أفضل ما تُؤتي عبادك الصالحين. فلما قضى النبيّ (صلى الله عليه وآله) الصلاة قال : من المتكلّم آنفاً ؟ فقال الرجل : أنا يا رسول الله. قال : «إذاً يعفر جوادك وتستشهد». رواه أبو يعلى والبزاز وابن حيان في صحيحه وقال صحيح على شرط مسلم ([45]).

* عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : «الشهداء عند الله على منابر من ياقوت في ظل عرش الله يوم لا ظِلّ إلاّ ظلّه، على كثيب من مسك فيقول لهم الربّ : ألَمْ أوف لكم واُصدقكم ؟ فيقولون : بلى وربّنا» ([46]).

* عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال  : أول ما يهراق من دم الشهيد يغفر له ذنبه كلّه إلاّ الدَين ([47]).

يعطى الشهيد ثلاثاً : أول دفعة من دمه يغفر له ذنوبه وأول من يمسح التراب عن وجهه زوجته من الحور العين واذا وجب جنبه في الأرض وقع في الجنّة ([48]). (الدارقطني في الافراد والديلمي والرافعي عن أنس).

 

 

 

 

 

 

خطاب الاستنصار الحُسيني

الاستعراض، والدلالات

 

(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِالَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَ اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)

آل عمران / 52

(يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُواْ أَنصَارَ اللهِ كَما قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمُ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أَنصَارِي اِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ فَآمَنَت طَائِفَةٌ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ كَفَرت طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِين آمَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرينَ)

الصف / 14

 

الاستنصار الحُسيني

يقول الشيخ جعفر التُستري (رحمه الله) في الخصائص الحسينية ـ انّ الحسين (عليه السلام)(استنصر) الناس سبع مرّات و(استغاث) سبعاً.

ثمّ يقول (رحمه الله) : «إنّ التلبيات السبعة الواردة في زيارة الحُسين (عليه السلام) (لبّيك داعي الله) إجابة وإشارة إلى هذه الاستنصارات والاستغاثات» ([49]).

وفيما يلي نستعرض طائفة من استنصارات الحسين (عليه السلام) واستغاثته بالمسلمين منذ خروجه من المدينة إلى اليوم العاشر من المحرّم سنة (61 هـ ) في كربلاء.

ثمّ نقوم بدراسة دلالات الاستنصار الحسيني


 


([1]) آل عمران / 170.

([2]) آل عمران / 170.

([3]) القصص / 5 ـ 6.

([4]) التوبة / 120.

([5]) بحار الأنوار 74 / 61. الكافي 2 / 348. وباختلاف يسير. وسائل الشيعة /11 / 10.
               
  والتهذيب 2 / 41. والخصال 1 / 8 . ومستدرك الوسائل 2 / 242. والفروع 1 / 342.

([6]) سنن الترمذي 4 / 187 ـ 188، الحديث 1663، وقريب من هذا المضمون في سنن ابن
               
  ماجه 2 / 935 ـ 936 الحديث 2799.

([7]) بحار الأنوار 100 / 11. عن الخصال 2 / 30. وبمضمونه بطريق آخر سنن ابن ماجه
               
  2 / 934 الحديث 2794. ومستدرك وسائل الشيعة 2 / 244.

([8]) مستدرك وسائل الشيعة 2 / 244.

([9]) مستدرك وسائل الشيعة 2 / 245.

([10]) تحف العقول / 176.

([11]) صحيح البخاري 2 / 112، كتاب الجهاد. الترغيب والترهيب 2 / 311. سنن الترمذي
               
  4 / 176 . مستدرك الوسائل 2 / 243.

([12]) صحيح البخاري 2 / 112. والترغيب والترهيب 2 / 311.

([13]) صحيح مسلم بن الحجاج 6 / 43 طبعة دار الفكر.

([14]) صحيح مسلم بن الحجاج 6 / 44 طبعة دار الفكر.

([15]) نفس المصدر السابق.

([16]) صحيح البخاري 2 / 115 والترغيب والترهيب 2 / 313.

([17]) الظاهر انّه عبدالله بن مسعود (رحمه الله).

([18]) صحيح مسلم بن الحجاج 6 / 38 ـ 39 طبعة دار الفكر. ورواه ابن ماجة في السنن 2 / 936
               
  الحديث 2801 وقريب منه عن كعب بن مالك في الترغيب والترهيب 2 / 316.

([19]) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 1 / 306.

([20]) بحار الأنوار 100 / 12، نقلاً عن قرب الاسناد / 31، والخصال 1 / 102.

([21]) بحار الأنوار 100 / 10 نقلاً عن الخصال 1 / 31.

([22]) بحار الأنوار 100 / 14.

([23]) بحار الأنوار 100 / 15. نقلاً عن نوادر الراوندي / 5.

([24]) بحار الأنوار 100 / 12 ـ 13. نقلاً عن صحيفة الإمام الرضا 26 ـ 28. طبعة المعاهد بمصر.
               
  ومستدرك الوسائل 2 / 242 ـ 243.

([25]) العنكبوت / 1 ، 2.

([26]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9 / 157. ونهج البلاغة لصبحي الصالح / 22.

([27]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9 / 206.

([28]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 / 93.

([29]) بحار الأنوار 42 / 239.

([30]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17 / 6.

([31]) صحيح مسلم 6 / 45، طبعة دار الفكر، ورواه الترمذي في السنن 4 / 186 الحديث 1659.

([32]) صحيح مسلم 6 / 45 ط دار الفكر، ورواه البخاري وعنهما المنذري في الترغيب والترهيب
               
  2 / 316.

([33]) صحيح مسلم 6 / 46 طبعة دار الفكر والترغيب والترهيب 2 / 312 ـ 313.

([34]) كنز العمال 4 / 406 حديث 11135 طبعة دار الفكر، والترغيب والترهيب 2 / 311.

([35]) الترغيب والترهيب 2 / 311.

([36]) كنز العمال 4 / 407 حديث 11141.

([37]) الترغيب والترهيب 2 / 222.

([38]) الترغيب والترهيب 2 / 223. وكنز العمال 4 / 397 الحديث 11099.

([39]) الترغيب والترهيب 2 / 318، ورواه الطبراني وقال المنذري في الترغيب اسفاه حسن.

([40]) الترغيب والترهيب 2 / 318 ـ 319. وقريب منه في كنزل العمال 4 / 398الحديث   11104.

([41]) الترغيب والترهيب 2 / 320.

([42]) الترغيب والترهيب 2 / 323 ـ 324.

([43]) الترغيب والترهيب2 / 324.

([44]) الترغيب والترهيب 2 / 324 ـ 325.

([45]) الترغيب والترهيب 2 / 327 ـ 328.

([46]) كنز العمال 4 / 397 الحديث 11100.

([47]) كنز العمال 4 / 399 الحديث 11109.

([48]) كنز العمال 4 / 410 الحديث 11153.

([49]) الخصائص الحسينية / 177 ـ 178.

 

 

 

 

 

 

يوم عاشوراء :

وللحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء استنصاران واستغاثة :

وفيما يلي تفصيل كل من الاستنصارين والإستغاثة الحسينية في يوم عاشوراء.

 

9 ـ الاستنصار الأوّل يوم عاشوراء :

دعا الحسين (عليه السلام) براحلته يوم عاشوراء فركبها ونادى بصوت عال يسمعه جلّهم :

«أيّها الناس إسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حقّ لكم عليّ، وحتّى اعتذر اليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدّقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليَّ سبيل، وإن لم تقبلوا منّي العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم. (فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون([1]) (أنّ وليي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين)» ([2]).

فلمّا سمعن النساء هذا منه صِحن وبكين وارتفعت أصواتهم، فأرسل إليهنّ أخاه العباس وابنه علي الأكبر وقال لهما : «سكّتاهن فَلَعمري لَيكثر بكاؤهن».

ولمّا سكتن حمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمّد وعلى الملائكة والأنبياء، وقال في ذلك ما لايُحصى ذكره ولم يسمع متكلّم قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه ([3]).

ثمّ قال : «الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرّته والشقي من فتنته، فلا تغرّنكم هذه الدنيا فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيّب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنّبكم رحمته، فنِعم الرب ربنا وبِئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمّد (صلى الله عليه وآله)، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذرّيته وعترته تريدون قتلهم، وقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر لله العظيم، فتبّاً لكم و لِما تريدون إنّا لله وإنّا إليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبُعداً للقوم الظالمين» ([4]).

«أيّها الناس، إنسبوني من أنا ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيّكم وابن وصيّه وابن عمّه
وأوّل المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه ؟ أوَ ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي، أوَ ليس جعفر الطيّار عمي، أوَ لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي : هذان سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ فإن صدّقتموني بما أقول، وهو الحق فوالله ما تعمدت الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه وإن كذّبتموني فإنّ فيكم مَن إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبدالله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس ابن مالك، يخبرونكم إنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي».

فقال الشمر : هو يعبدالله على حرف إن كان يدري ما تقول.

فقال له حبيب بن مظاهر : والله إنّي أراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادق، ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك.

ثمّ قال الحسين (عليه السلام) : «فإن كنتم في شكّ من هذا القول أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيكم ؟ فوالله مابيّن المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم ! أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مال لكم استهلكته، أو بقصاص جراحة ؟ فأخذوا لا يكلمونه.

فنادى : ياشبث بن ربعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا زيد ابن الحارث، ألم تكتبوا إليَّ أن أقدم قد أينع الثمار وإخضرّ الجناب وإنما تقدم على جُند لك مجندة.

فقالوا : لم نفعل.

قال : سبحان الله، بلى والله لقد فعلتم. ثمّ قال : «أيّها الناس، إذا  كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض، فقال له قيس بن الأشعث : أو لا تنزل على حكم بني عمك؟ فإنّهم لن يروك إلاّ ما تحبّ، ولن يصل اليك منهم مكروه.

فقال الحسين (عليه السلام) : أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنوا هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد ([5])، عباد الله (أنّي عذت بربّي وربّكم أن ترجمون)أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ([6]).

 

10 ـ الاستنصار الثاني في يوم عاشوراء :

ثمّ إنّ الحسين (عليه السلام) ركب فرسه وأخذ مصحفاً ونشره على رأسه، ووقف بأزاء القوم وقال : «ياقوم، إنّ بيني وبينكم كتاب الله وسنّة جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله)» ([7]).

ثمّ استشهدهم عن نفسه المقدسة وما عليه من سيف النبيّ (صلى الله عليه وآله) ودرعه وعمامته فأجابوه بالتصديق فسألهم عمّـا أقدمهم على قتله قالوا : طاعة للأمير عبيدالله بن زياد، فقال (عليه السلام) :

«تباً لكم أيّها الجماعة وترحاً ! أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم ؟ فأصبحتم ألباً لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم فهلا، لكم الويلات، تركتمونا، والسيف مشيم، والجأش طاعن، والرأي لما يستحصف، ولكن أسرعتم كطيرة ([8]) الدبا، وتداعيتم عليها، كتهافت الفراش، ثم نفضتموها، فسحقاً لكم ياعبيد الأَمة وشذّاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومحرّفي الكلم، وعصبة الإثم، ونفثة الشيطان ومطفئي السُنن ! ويحكم ! أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون ؟ أجل والله غدر فيكم قديم وشجت عليه اُصولكم، وتأزرت فروعكم فكنتم أخبث ثمر، شجىً للناظر وأكلة للغاصب».

«ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين إثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت واُنوف حمية ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألاّ وإنّي زاحف بهذه الاُسرة على قلة العدد وخذلان الناصر» ([9]).

 

11 ـ الاستغاثة الأخيرة للحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء :

ولما نظر الحسين (عليه السلام) كثرة من قتل من أصحابه، قبض على شيبته المقدسة وقال : «إشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً، وإشتد غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، وإشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، وإشتد غضبه على قوم إتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيّهم، أما والله لا اُجيبهم
إلى شيء يريدون حتّى القى الله وأنا مخضب بدمي» ثم صاح أما من مغيث يغيثنا أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ([10]) فبكت النساء وعلا صراخهن.

وسمع الأنصاريّان سعد بن الحارث وأخوه أبو الحتوف استنصار الحسين واستغاثته وبكاء عياله وكانا مع ابن سعد فمالا بسيفهما على أعداء الحسين وقاتلا حتّى قُتلا ([11]).

قال السيّد (رضي الله عنه) : ولما رأى الامام الحسين (عليه السلام) مصارع فتيانه وأحبّته عزم على لقاء القوم بمهجته ونادى : هل من ذاب يذبّ عن حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، هل من موحّد يخاف الله فينا، هل مغيث يرجو الله باغاثتنا، هل من مُعين يرجو ما عند الله في إعانتنا. فارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدم إلى باب الخيمة وقال لزينب : ناوليني ولدي الصغير حتّى اُودعه، فأخذه وأومأ اليه ليقبّله، فرماه حرملة ابن كاهل الأسدي بسهم فوقع في نحره فذبحه ([12]).

فقال (عليه السلام) لزينب : خُذيه، ثم تلقّى الدم بكفيه فلمّـا امتلأت رمى بالدم نحو السماء ثم قال : هوّن علَيَّ ما نزل بي إنّه بعين الله ([13]).

وحكى السبط في التذكرة عن هشام بن محمّد الكعبي قال : لما رآهم الحسين (عليه السلام) مصرّين على قتله، أخذ المصحف ونشره وجعله على رأسه ونادى : «بيني وبينكم كتاب الله وجدّي محمّد رسول الله، يا قوم بِمَ تستحلّون دمي ؟» فَسَاق الكلام ([14]) إلى أن قال : فالتفت الحسين (عليه السلام) فإذا بطفل له يبكي عطشاً،
فأخذه على يده وقال : يا قوم إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل، فرماه رجل منهم بسهم فذبحه، فجعل الحسين (عليه السلام) يبكي ويقول : «اللهم اُحكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا». فنودي من الهواء : دعه يا حسين فإنّ له مرضعاً في الجنّة.

ثمّ قال : ورماه حصين بن تميم بسهم فوقع في شفتيه، فجعل الدم يسيل من شفتيه وهو يبكي ويقول : «اللهم أشكو إليك ما يفعل بي وبإخوتي وولدي وأهلي ـ الخ» ([15]).

 

12 ـ استنصار زهير (رحمه الله) يوم عاشوراء :

وخرج إليهم زهير بن القين على فرس ذنوب، وهو شاك في السلاح فقال : «يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب الله نذار، إنّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتّى الآن اُخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منّا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكُنّا اُمّة وأنتم اُمّة. إن الله إبتلانا وإيّاكم بذرية نبيه محمّد (صلى الله عليه وآله) لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد، فإنّكم لا تدركون منهما إلاّ سوء، عمر سلطانهما، ليسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثّلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهاني بن عروة وأشباهه». فسبّوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعوا له وقالوا : لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومن معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى عبيد الله بن زياد سلماً.

فقال زهير : عباد الله إنّ ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية، فإن لم تنصروهم فاُعيذكم بالله أن تقتلوهم، فخلّوا بين هذا الرجل وبين يزيد، فَلَعمري إنّه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين (عليه السلام).

فرماه الشمر بسهم وقال : اسكت أسكت الله نامتك، أبرمتنا بكثرة كلامك.

فقال زهير : يابن البوّال على عقبيه ما إيّاك اُخاطب، إنّما أنت بهيمة، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم.

فقال الشمر : إنّ الله قاتلك وصاحبك عن ساعة.

فقال زهير : أفَبالموت تخوّفني ؟ فوالله لَلْموت معه أحبّ إلى من الخُلد معكم، ثم أقبل على القوم رافعاً صوته وقال :