|
عزيزتي النملة
عِبرة وعَبرة
كنتُ جالسا في زنزانتي
، سارحاً بفكري ، فرأيت نملة تدبُّ بقربي ، أراها تسعى
بحثاً
عن رزقها وقوت يومها بلا ملل
، فأخذت
أتبعها بلحظ عيني ، فاستدارت وأقبلت نحوي .. فقلت لها :
أتعلمين أين أنتِ ؟؟
فطأطأتُ لها رأسي لعلها
تسمع كلامي فتجيبني على سؤالي،
ولكنها تابعت مسيرها
وأهملتني !!
فقلت لنفسي : ياليتني
اُتيتُ منطقها كالنبي سليمان (ع)
فتكونَ أنسي .. مالها
لاتخاف مني ؟ أما خافت غضبي ، مالذي جعلها تأمن سطوتي ؟!
مع علمها بأني عندما أشرفتُ عليها كنتُ كالعملاق أو ناطحة
سحاب أو كأحد الجبال الرواسي !!
وإني لمسترسلٌ في تساؤلي ،
فاجأتني بوقوفها أمامي !!
فتوجهتُ إليها لأجبرَ
كسري تصورتُ أنها أهانتني عنما أهملتني : مَن أنتِ ؟
وما
الذي جيء بكِ إلى زنزانتي ؟
أماتدرين أنكِ في السجن
المركزي ، بل وفي زنزانة التأديب الإنفرادي ؟!
وبجانب
إنسانٍ محكوم بالإعدام ، وعما قريب ربما ألقى مصرعي أو
يأتي أجلي !!
مالكِ ويحكِ أما خفتِ ؟
أم لكِ قلب هو أقوى من قلوب البشر ؟!
وأخرى ماالذي جعلكِ
تأمنين بطشي وغضبي
بالله عليكِ.. خبريني
..إنطقي ..
فحركتْ قرنيها وكأنها
إشارة لأدنو منها وأقترب لعلها تريد أن تقول شيئاً وتحدثني
..
عجباً !! عزيزتي النملة
نطقت ..جاوبتني !!
فدنوتُ منها أكثر
فأكثر.. نعم .. قولي .. خبريني ..
قالت: إني نملة صغيرة
بالكاد أُلحظ بالعين ، طولي تقريبا 1مم ، سواد لوني يدل
على حركتي ..
نحن أمة مسالمة ، نعيش
ونعمل مجتمعين ، نجمع قوتنا في صيفنا لشتائنا ،
ونتقوت في
رواحنا ومجيئنا ونقدس العمل والنظام والإنضباط والتعاون
ولانبالي بالمخاطر!!
ونفتخر بأن جدنا الأعظم
خاطبه النبي سليمان (ع) وتبسم ضاحكاً من قولها وعقلها
وفهمها
، وإليكَ القصة مختصرة !!
( وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس
والطير فهم يوزعون * حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة
يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده
وهم لا يشعرون
* فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن
أشكر نعمتك التي أنعمت
علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا
ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) النمل 19
عن أبيه جعفر بن محمد
عليهما السلام في قوله عزوجل : ( فتبسم ضاحكا من قولها .
قال لما قالت النملة :
يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا
يحطمنكم سليمان وجنوده حملت الريح صوت النملة
إلى سليمان
وهو مار فوقف وقال : عليّ بالنملة فلما أتى بها قال
سليمان : يا أيتها النملة
أما علمت أنى نبي وانى لا أظلم
أحدا قالت النملة : بلى . قال سليمان : فلم حذرتهم ظلمي
وقلت : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم قالت : خشيت ان
ينظروا إلى زينتك فيفتتنوا
بها فيعبدون غير الله تعالى
ذكره ... )
خبريني ،
كيف عرفت النملة
سليمان وجنوده حتى قالت هذه المقالة ؟ قلنا :
إنها كانت
مأمورة بطاعته لأنه ولي أمر زمانها ..
وكما ورد الإمام السجاد
(ع) :
( البهائم تعرف ربها
عزوجل وتعرف الذكر من الأنثى وتعرف الموت والفرار منه !! )
نعرف ربنا تعالى وننقاد
لأربابنا وولاة أمورنا ونهتدي للجيد من الرديء من المأكول
و
نعرف الموت ، ولذلك قائدنا حذرنا منه !!
نفختر أن في القرآن
الكريم سورة طويلة باسمنا ( سورة النمل )
توجه سليمان (ع) مع
قومه للإستسقاء فمر على أحد عبادنا من النمل وهو
رافع
قوائمه الى السماء وهو يدعو :
اللهم إنا خلق من خلقك ،ولاغنى
بنا عن رزقك ، فلا تهلكنا بذنوب غيرنا ..
فقال سليمان (ع) :
إرجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم !!
----------------
نحن معاشر النمل أمة
مثلكم ، نسبح الله تعالى ونعبده ولكن لاتفقهون تسبيحنا
ولغتنا ،
ونحن من بديع ماخلق الله تعالى ، فينا العبرة
والآية البينة ..
نملتي العزيزة : لقد
كبرت في عيني .. وكم ازداد لك حبي بعد غضبي ..
من الآن
سأتخذك من أعز أصدقائي ياعزيزتي النملة ،فأنت ذات الروح
الوحيدة
التي تدب في من حولي وتؤنسني ،
والزرزور بتسبيحه
وصوته بكرة وعشيبا يذكرني ويؤنسني ..
ماأشد لطفك بي إلهي !!
حتى الميت على وجه الأرض تبعث له الأنيس والجليس !!
نملتي العزيزة ، أريد
أن أسألك سؤالاً فجاوبيني بصراحة :
لماذا تركت بيوتات
المدينة ومابها من لذيذ المأكل والمشرب وجئتِ الى زنزانتي
الضيقة الحارة الخاوية والخالية ؟؟
ومالذي جعلك تأمنين
بقربي ، بصراحة جاوبيني ؟!
فأجابت عزيزتي النملة : الناس في الخارج
أكثرهم لايلتفت لحالي ،
بل الكثير منهم يتسلي بقتلي بضغطة
من رجله متعمدا أو غير ملتفت لصغر جثتي ، وترى البعض
يقرب
سيجارته نحوي فيحرقني ، وأحيانا تحدث مأساة كبرى ، عندما
يسكب الكاز
او البنزين علينا فتحدث محرقة كبرى ..
وهذا
حالنا في أي لحظة معرضة للإعدام والموت في الخارج !!
سأخبرك لماذا اخترت قربك وصداقتك
، وأتيت الى زنزانتك !!
لأنك إنسان ذقت الألم فعرفت معنى الرحمة والشفقة ،
ولذلك ياصديقي تراني أتبختر أمامك في مشيتي .. ولأنك عشت الغربة
عن الأهل والأحبة فعرفت معنى
الأنس بمخلوق ضعيف مثلي ، ،
وربما صبرك ووقارك في الشدائد جعلك
تشعر بقيمة صبري وقطعي
للمسافات الطويلة
لتحصيل جلب شعيرة أو حبة أو فتات خبز
متناثرة ،
ومرة رأيتك تلاحظني وأنا أصارع حبة هي أكبر من
حجمي ونتوءات الأرض
الصغيرة تمنعني من دحرجتها بسهولة ،
فهي كالهضاب بالنسبة لي ..
ولقد أخذني العجب من حكمتها وهي تسرد
معاناتها !!
نملتي الحكيمة : أريد منكم درساً وموعظة عن
حياتكم معشر النمل لأستفيد منها في
الحياة العملية ..
فقالت النملة العزيزة :
نتميز نحن النمل بثلاثة أمور ،أحوج مايكون
لها البشر:
1-
نظم أمورنا : تجد منا الرئيس والعامل
والمشرف وكل يعرف دوره ومسؤوليته
، وبكل جد ونشاط ننجز
أعمالنا ..
2-
العمل الجماعي : نتعاون ونتحد ونوزع العمل
وننجزه بأسرع وقت وعلى
أكمل وجه وبمحصول أوفر ..
3-
إتقان العمل بصبر ومثابرة : تجدنا أحيانا
نتصارع مع حبة لتوصيلها الى مخازننا الشتوية
فتأخذ منا
الساعات الطويلة ، وتسقط الحبة عدة مرات لايزيدنا ذلك
إلا إصراراً وعزيمة
وصبراً .. وترى نملة أخري تدور طوال
اليوم وتقطع الميال لتكتشف أماكن الرزق ، ولانعرف لليأس
والقنوط طريقاً أبداً!!
وإني لمشدود إليها وهي
تحدثني كما يتابع التلميذ استاذه يتلقى منه دروس الحياة
والحكمة !!
نعم .. نعم عزيزتي
النملة تابعي حديثك الشيق المفيد ..
فقالت النملة سأورد لك
خطبة بليغة لمولانا الإمام علي (ع) يبين فيها قدرة الله عز
وجل في خلقنا نحن معاشر النمل ، علماً بأن قسمه الشهير
نحفظه كذلك !!
( واللهِ لو أعطيتُ
الأقاليم السبع وما تحتَ أفلاكها على أن أعصي الله في نملة
أسلبها جلب شعيرة مافعلته )
( ولو فكروا في عظيم
القدرة ، وجسيم النعمة ، لرجعوا الى الطريق ، وخافوا عذاب
الحريق ،
ولكن القلوب عليله ، والبصائر مدخولة . الا
ينظرون الى صغير ما خلق كيف احكم خلقه ، واتقن تركيبه ،
وفلق له السمع والبصر ، وسوى له العظم والبشر . انظروا الى
النملة في صغر جثتها ، ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ
البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبت على ارضها ، وصبت على
رزقها ، تنقل الحبة الى جحرها ، وتعدها في مستقرها ، تجمع
في حرها لبردها ، وفى وردها لصدرها ; مكفول برزقها ،
مرزوقه بوفقها ، لا يغفلها المنان ، ولا يحرمها الديان ،
ولو في الصفا اليابس ، والحجر الجامس . ولو فكرت في مجارى
اكلها ، وفى علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها
، وما في الراس من عينها واذنها ، لقضيت من خلقها عجبا ،
ولقيت من وصفها تعبا ، فتعالى الذى اقامها على قوائمها ;
وبناها على دعائمها لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه
على خلقها قادر . ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ،
ما دلتك الدلالة الا على أن فاطر النملة هو فاطر النخلة ;
لدقيق تفصيل كل شئ ، وغامض اختلاف كل حى . وما الجليل
واللطيف ، والثقيل والخفيف ، والقوى والضعيف في خلقه الا
سواء . وكذلك السماء والهواء ، والرياح والماء . فانظر الى
الشمس والقمر ، والنبات والشجر ، والماء والحجر ، واختلاف
هذا الليل والنهار ، وتفجر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال
، وطول هذه القلال ، وتفرق هذه اللغات ، والالسن المختلفات
. فالويل لمن انكر المقدر ، وجحد المدبر . زعموا انهم
كالنبات ما لهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانع ; ولم
يلجاوا الى حجة فيما ادعوا ، ولا تحقيق لما دعوا ، وهل
يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان . ) نهج
البلاغةج13-ص55
--------------------------------
فسبحانك إلهي ماأعظمك وماأحسن ماخلقت
وأبدعت وسويت
فجعلت فيه العِبرة من ورائها عَبرة لما
تتجلى فيها من الآيات ..
--------------
نملتي العزيزة : كيف أكافئك على هذه
الدرر المنثورة ، وهنا أخذت أفت لها ذرات البسكويت وقليلاً
من المربى لعلي أكون قد وفيت لمعلمتي النملة !!
وهنا التفتت لي عزيزتي النملة فقالت :
لقد تأخرت وسنلتقي إنشاء الله مرة أخرى ، فحركت قرنيها
مودعة
، وبدوري قربت منها وحركت يدي جوابا على سلامها
وعيني لاتفارقها مع ابتسامة حب واعجاب ..
وفجأة !! فتح السجان الباب مع صوت مدوي
وأقبل نحوي وضربات صندله الثقيل تزلزل الأرض
وعيني مصوبة
نحو نملتي العزيزة : أسرعي .. أسرعي بالذهاب .. ولكن
خطوات السجان كانت أسرع من مسير عزيزتي الصغيرة ..
وفجأة !!!
أطبق بحذاءه على صديقتي النملة
، فأعدمها الحياة !!!
وتقاطرت من عيني دموع الحزن والأسى
عليها وعيني مسمرة نحو صندله المطبق عليها ..
صرخ بي
السجان .. إنهض .. إنهض ..إنهض .. وهو لايعلم بالأمر ،
فوقفت أمامه ، ومازالت الكآبة والدموع تسيل على خدي ..
قهقه السجان بصوت عال ها.. ها .. ها ..
أتبكي خوفا من الإعدام .. ها ..ها
واستدار خارجاً وصدى قهقهته تدوي في
الزنزانة ..
وجثوت على ركبتي وطأطأت برأسي ودنوت
بنظراتي الى موضع مصرعها ، فلم أجدها !!!
إنها لصقت بصندله
فأحالها الى أشلاء !!!
لقد رحلت معلمتي.. فارقتني.. وباتت
مدمعي ..
السجن المركزي – 29-6-1987 – بو عيسى
|