( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )
( إنما لك من دنياك ماأصلحت به مثواك ) الإمام علي (ع)

![]()

جلستُ في المقبرة متأملاً بالأرض والتراب المتكدس
المنتظر لراحل جديد كي يواريه
في بيته الذي سيعيش فيه أضعاف أضعاف
ماعاش في بيت الدنيا .. وماذا يحويه هذا المنزل
وما فيه من متطلبات الحياة !!
ومن سيكون بالإستقبال ؟؟
وماهي مهمة هذه الأرض الأم التى رأت
وشهدت بصمتٍ دامعٍ مآسي أبنائها
وهم على ظهرها ، فماذا ستصنع بهم وهم في حضنها
، وهل الأرض تسمع وتحس وتبكي وتتألم وتشهد ؟؟
وماهو فرش وأثاث هذا البيت الجديد
الذي سنعيش فيه ربما آلاف السنين
وهل ستبقى المساحة متر في مترين
وكيف يمكن مده مد البصر وتحويله
إلى روضة غناء وجنة فيحاء ..
وهل المشغول في بناء بيته على
دنيا الجسر والمعبر أعقل، أم من يبعث
في تمهيد رقدته في بيته الممتد طويلا
( وكفى بالموت واعظاً ) ..
وما هو أشبهُ مثالٍ محسوسٍ للتمتع في
حياة البرزخ في رقدة القبر الطويلة ؟؟
كنا في قبر الدنيا في السجن
في غرفة 1.5+3 متر لمدة 4سنوات خلف ساجات مغلقة ،
ونخرج من هذا الضيق بأرواحنا وأحلامنا ..
وعالم الروح والأحلام لايعرف الحدود
والحيطان والزمان والمكان ..
النائم هو ميت مؤقتاً وعندما تتلذذ روحه
وتتمتع يقوم من نومه ويغتسل
ويبتسم ويروي رؤيته منشرح الصدر
يلتقي بأحبابه وإخوانه ومن يحبهم
ويثبت قدمه ويشد من أزره ويقوي عزيمته ..
هذا العالم عالم الأحلام والأرواح شبيه
وقريب جدا من عالم البرزخ .. وأما من سفك الدماء
وأكل الحرام واغتاب وخاض في أعراض الناس
وسلب ونهب فسيرى الجثث والدماء
وقد لطخت جدران بيته في قبره ، ويرى قطع اللحم
التي أكلها بغيبة الناس .. فكيف ستكون أحواله
وأحلامه والعقارب والحيات
تنهشه من كل صوب بما قدمت يداه ..
القبور أمامي فرادى كما جئنا باكين فرادى ..
صدر أمي بيديها الحنون كانت بإستقبالي وليداً ..
ولدتُ باكياً وابتسامة أمي وأحبتي تستقبلني ..
وأرحلُ بين خوف ورجاء ودموع أحبتي تشيعني ..
شريط الحياة من خلال هذه النظرة إلى بيتي
الأهم في مسيرة حياتي الذي بالكاد يسعني
كما تراه أعيننا .. وبالحقيقة هو إنعكاس لسلوكنا
في الحياة الدنيا ، فكما عشنا نموت ،وكما كنا نراه
فلكل حرام وحلال وصلاة وصيام صورة
ومن أهمها التوحيد و الولاية
و الحب وحسن الخلق والصبر على الواجبات
والصبر عن المحرمات وحقوق الناس وظلمهم..
ومن هنا تستقبلني يد أمي الحنون الأرض
كما سترت علىّ عيوبي
وغذتني وحملتني على ظهرها
( إذا رجعوا ونفضوا أيديهم من التراب ،
ردت عليه روحه ، فتقول له الأرض
: مرحبا ياولي الله مرحبا بك أما والله لقد كنت احبك
وأنت على متني فأنا لك اليوم أشد حبا إذا أنت في بطني
، أما وعزة ربي لاحسنن جوارك ولا بردن مضجعك ، ولا وسعـن مدخلك ،
إنما أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار .)
فالقبر غراسك في الحياة
وما غرست تجده وتأكله
اما هنيئا مريئا وروح وريحان وجنة نعيم
واما ( والعياذ بالله ) مما :( يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ
مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ
مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ
بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ
ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ )
اللهم أختم بالإنقطاع إليك أمري
وبالمغفرة عمري
واجعل الحياة زيادة لي في كل خير
والوفاة راحة لي من كل شر
بحبك وحب من يحبك محمد وآله الطيبين الطاهرين
وأصحابه المنتجبين والشهداء والصالحين
وجميع أهل التوحيد المؤمنين المخلصين
----------

أزورُ القبورَ وأرنو لرمسي - أُحّدثُ نفسي وأذكرُ غرسي
أمامي القبورُ فُرادى فُرادى - ولدتُ وحيداً فصرتُ كأمسي
واُحمَلُ زفاً كليلة عُرسي - فهذي لغرسي وتلك لأنسي
بكيتُ وليداً وأبكي فقيداً - شريطُ الحياةِ دروسٌ بنفسي
كما جئتُ أرحلُ فرداً وحيداً - فأين بنائي وأين لباسي
وأين عيالي وأين رصيدي - وأين الصحابُ وأين المراسي
رأيتُ الحقيقةَ أول قبري - سؤالٌ جوابٌ فبانت مآسي !!
وأبدو كما كنتُ قبلَ مماتي - رأيتُ سلوكي يشكلُ نفسي
جميلُ المعاني تفصلُّ لبسي - وبيتي الجديدُ بواعثُ غرسي
فمن لي بقبري ومن ذا يواسي - ومن ذا يمهد ني في فراشي
رأيتُ الولايةَ نوراً لقبري - وتوحيدَ ربيَ رأسَ غراسي
فجاءت صلاتي وصومي وحجي - تدافع عني أحاطوا برأسي
وجائت جميلُ الخصال وصبري - توسعُ قبري ونوراً لرمسي
هنيئًا لمن قبرهُ صار روضاً - بخير الخصالِ وترك المعاصي
وأما الشقيُّ كمن هو مثلي !! - بماذا يجيبُ وعيبي فاشي
رأيت ذنوبي وكلَّ المعاصي – وجئتُ مُقراًمُطأطأُ راسي
بصمتٍ أراها بكلِّ حَواسي – ركبتُ الحرامَ فبانت رواسي !!
تغير شكلي ولوني وحسي - وجدتُ كما عشتُ كلَّ خياسي
كئيبٌ حزينٌ لظلمي لنفسي - فياليت لله كان حَمَاسي
غرست ُ العقاربَ والشوكَ قاسي - أحاطت عذابي بقبري المآسي
ويضغط قبري ويعلو صراخي - لماذا الحرامُ وأنتَ السياسي !!
إلى كم تعيشُ وقلبـُكَ قاسي - أما آن للصحو قبلَ اندراسي
بماذا تجيبُ بيومِ القصاصِ - إذا ماأتوك بتلك المآسي
وبانت ذنوبي جبالاً رواسي – تقولُ : اعتذاري لقد كنتُ ناسي !!
لقد عشتُ صباً وقلبي قاسي - لقد أسكرتني وعقلي براسي
لقد أهلكتني وفيها انغماسي – وألهو وألعبُ وأملءُ كاسي
غرستُ الحرامَ فبانت غراسي - أحاطت بقبري فبانت مآسي
بماذا أجيبُ وهذا لباسي - وعيبي فاشي ومنه فراشي
وأين المقامُ وأين الكراسي – وأين الصحاب وأين المراسي
وأين رصيدي وحلو اللباس - فصرتُ وحيداً ولامن مواسي
تركتُ الصلاةَ فصرتُ أقاسي - وبانت كؤوسي شرابَ الأياسي
ظلامٌ ظلامٌ وقبري قاسي – وغل اليدين وفيه احتباسي
تقولُ السماحَ لجمعِ الأَناَسي - ظلمتُ كثيراً وقلبي قاسي
إلهي لساني وكلُّ أساسي – إلهي وربي ارتكبتُ المعاصي
بنورِ الحبيبِ وآل الحبيبِ - وأنت العفوُّ وهُم تاجُ رأسي
وأرجو الولايةَ نوراً لقبري - فما لي سواهم بيوم القصاصِ
وأنتَ المضُيفُ ومانعُ يأسي - ومالي سواك َومنك التماسي
---------
( إلهي إن عفوت فمن أولى منك بالعفو ؟ وإن عذبتني فمن أعدل
منك في الحكم ؟ فارحم في هذه الدنيا غربتي ، وعند الموت كربتي
، وفي القبر وحدتي ، وفي اللحد وحشتي ، وإذا نشرت للحساب
بين يديك ذل موقفي واغفر لي ما خفي على الادميين من عملي
، وأدم لي ما به سترتني ، وارحمني صريعا على الفراش تقلبني
أيدي أحبتي ، وتفضل علي ممدودا على المغتسل يغسلني صالح
جيرتي ، وتحنن علي محمولا قد تناول الأقراباء أطراف جنازتي
، وجد علي منقولا قد نزلت بك وحيدا في حفرتي ، وارحم في ذلك
البيت الجديد غربتي ، حتى لا أستأنس بغيرك
يا سيدي فانك إن وكلتني إلى نفسي هلكت . )
------
فؤاد عاشور – بو عيسى 19-11-2005
