معين السجين

الحمد للّهِ ِ وَالحَمْدُ حَقُهُ كَما يَسْتِحِقُّهُ حَمْداً كَثِيراً ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِي ؛ إِنَّ النَّفْسَ لاَمّارَةٌ بِالسوءِ إِلا  مارَحِمَ رَبِّي ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطانِ الَّذِي يَزِيدُنِي ذَنْباً إِلى ذَنْبِي ، وَاحْتَرِزُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَبّارٍ فاجِرٍ، وَسُلْطانٍ جائِرٍ ، وَعَدُوٍ قاهِرٍ . اللّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ جُنْدِكَ فَإِنَّ جُنْدَكَ هُمُ الغالِبُونَ ، وَاجْعَلْنِي مِنْ حِزْبِكَ فَإِنَّ حِزْبَكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ، وَاجْعَلْنِي مِنْ أوْلِيائِكَ فَإِنَّ أَوْلِيأَكَ لاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاهُمْ يَحْزَنُون . اللّهُمَّ اصْلِحْ لِي دِينِي فَإِنَّهُ عِصْمَةُ أَمْرِي ، وَاصْلِحْ لِي اَّخِرَتِي فَإِنَّها دارُ مَقَرِّي وَإِلَيْها مِن مُجاوَرَةِ اللئامِ مَفَرِّي ، وَاجْعَلِْ الحَياةَ زِيادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالوَفاةَ راحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍ اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ وَتَمامِ عِدَّةِ المُرْسَلِينَ ، وَعَلى اَّلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَأَصْحابِهِ المُنْتَجَبِينَ.

الإمام علي بن موسى الرضا (ع )

                                                     

 ( إذا تغير السلطان تغير الزمان ) الإمام علي ( ع

مات هارون الرشيد في خراسان ، وتولى الحكم إبنهُ الأمين فاستاثر بالحكم وعزل أخاه المأمون عن ولاية العهد ، فاندلعت حروب طاحنة مابينهما  في قلب بغداد ، ودمرا ما بناه أبوهما في حصار دام 15 شهرا ، وكانت الغلبة للمأمون مع قلة عدد جيشه وأكثرهم من الإيرانيين الخراسانيين ،  وجيء برأس أخيه أمامه ، ولو تقرأ وصية هارون لهما لتملكك العجب العجاب لما فيها من العهود والمواثيق ، ولكن تمزقت الإمبراطورية وقتلَ الأخُ أخاه ، وتسلطت دماء المظلومين فبانت صراعاً من نسل الظالمين ، بما كسبت أيدي الآباء ورضيت به الأبناء  !! أساطير ألف ليلة وليلة وقصور بغداد الخرافية دمرتها قذائف الليل الصادرة من ظلمات السجون ..  وتلك السحب التي كان يخاطبها هارون ( أينما تمطري يأتيني خراجك ) أمطرت بغداد بسحب سحب النفط والمنجنيق بأيدي بعضه ومن ولده ونسله .. إنها آيات العبر في شخص يقول لمن سجنه 13 عام واستشهد فيه : عظ وأوجز : فيجيبه الإمام الكاظم :  كل ماتراه عيناك لك عظة  ..

( إن الوعظ الذي لايمجه سمع ، ولايعدله نفع ، ماسكت عنه لسان القول ونطق به لسان الفعل ) .. واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم .. الإمام علي (ع)

 ( إستدل على مالم يكن بما قد كان فإن الأمورأشباه ) الإمام علي (ع)

استدع المأمون الذي غلب خصومه وحول العاصمة إلى خراسان حيث أنصاره المحبين

والموالين لأهل البيت عليهم السلام

 وشخصية المأمون ،  كان قد برع في العلوم والفنون ، حتى فاق أقرانه ، بل فاق جميع خلفاء بني العباس . . وقد قال بعضهم : " لم يكن في بني العباس أعلم من المأمون .. وقال عنه ابن النديم انه : " أعلم الخلفاء بالفقه والكلام . وقال عنه محمد فريد وجدي : " لم يل الخلافة بعد الخلفاء الراشدين أكفأ منه . فهو من دهاة العباسيين المحنكين .. 

المهمة صعبة وسريعة .. والمكان في خراسان .. والمسافة طويلة آلاف الكيلومترات

عبر ممرات وعرة وصحراء قاحلة .. 

يقطع مسيرة طويلة من المدينة المنورة إلى خراسان

عبر اليصرة ومن الأهواز ،  وفي الروايات انه عليه السلام مر على ( النباج ) وله مواقف فيها ، ومن يمر فيها قاصداً الى الأهواز لابد أن يمر( بكاظمة ) عبر الكويت آن ذاك !!

انظر النقط الحمراء في الخريطة أعلاه ...

ربما مر بالكويت آن ذاك كما مر بها الإمام ولم يدخلها ..

  وعبرها من فل أعظم معضلة في العراق

آية الله السيستاني صامتاً .. إنها مفترق طريق !!

آلاف الكيلومترات يقطعها ، ماالسر في ذلك ؟؟

المهمة صعبة هذه المرة أمام من يملك الحكم والثقافة أو قل السيف والقلم !

سنة الحسم

سوف نستعرض ثلاث وقفات مهمة في سيرة الإمام الرضا عليه السلام في سنة الحسم

استدعي الإمام لتولي ولاية العهد سنة 201 هج – واستشهد مسموماً سنة 202 هج

ولكن هذه السنة كانت عن الدهر كله !! ماذا جرى فيها ؟؟

 ( لاإله إلا الله حصني )

1-  استقبل بحشد من القراء والعلماء بأيديهم الدواة والأقلام لتدوين مايمليه عليهم الإمام الرضا عليه السلام ، - الإمام الرضا ( عليه السلام ) - في حديث سلسلة الذهب عن آبائه ( عليهم السلام ) - : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : سمعت جبرئيل يقول : سمعت الله جل جلاله يقول : لا إله إلا الله حصني ، فمن دخل حصني أمن من عذابي . قال الراوي : فلما مرت الراحلة نادانا :  بشروطها ! ، وأنا من شروطها . بهذا الحديث أغلق الإمام أبواب الفتن بين المذاهب وأبواب الغلاة !!

وبين القاعدة الكبرى للدعوة الإسلامية التى عليها يقوم بناء الرسالات كلها ،

وهي ( لاإله إلا الله ) ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى )

ضربة كبرى للطواغيت وبيان للرسالة والدعوة من أول خطوة  !!

 ليعلم الناس بعد ذلك من يثير الشكوك والشبهات كمسألة خلق القرآن وغيرها ، لينشغلوا  ببعضهم وهو يفرق لكي يسود !!

المأمون خطى بعدها بخطوتين عمليتين ليستكشف الإمام الرضا (ع) قاصداً كسر الإمام وانتزاعه من قلوب الناس !!

(خزان العلم ومنتهى الحلم )

2-  مناظراته مع كبار الفلاسفة والعلماء الذين جلبهم المأمون من مختلف أقطار الدنيا وامصارها إلى خراسان لامتحان الامام ، وقد عقد مع كل وفد منهم اجتماعا خاصا وسريا ، ووعدهم بالثراء العريض إن افحموا الامام ، واعجزوه عن اجابتهم ليتخذ من ذلك وسيلة للطعن والتشهير بما تذهب إليه الشيعة من أن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) أعلم الامة وان الله آتاهم من العلم والفضل كما آتى أنبياءهم ، وأوصياءهم . واستجاب العلماء لدعوة المأمون فسألوا الامام عن أعقد المسائل ، وأكثرها غموضا ويقول المؤرخون : انهم سألوه عن اكثر من عشرين الف مسألة في أبواب متفرقة فأجابهم عنها جواب العالم الخبير المتخصص ، فبهر العلماء من سعة علومه ، ودان الكثيرون منهم بامامته ، مما اضطر المأمون إلى حجب الامام عن العلماء وغيرهم ، وفرض الرقابة الشديدة عليه لئلا يفتتن الناس به .  ولكي لاتنتشر وهذا الأهم  ولكن هيهات كيف تحجب الشمس ؟؟ ، ولعلها من جملة أهم  خسائر العالم العربي والاسلامي .

ويقول الرواة : انه سئل عن اكثر من عشرين الف مسألة في نوب مفرقة عاد فيها بلاط المأمون إلى مركز علمي ، وخرجت الوفود العلمية ، وهي مليئة بالاعجاب والاكبار بمواهب الامام وعبقرياته ، واخذت تذيع على الناس ما يملكه الامام من طاقات هائلة من العلم والفضل كما ذهب معظمهم إلى القول بامامته ، مما اضطر المأمون إلى حجب الامام عن العلماء خوفا ان يفتتنوا له ولم يذكر الرواة الا كوكبة يسيرة منها  ..

( أمراء القلوب )

قال : فلما حضر العيد بعث المأمون ألى الرضا عليه السلام يسأله أن يركب ويحضر العيد ويصلي ويخطب فبعث إليه الرضا عليه السلام قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول هذا الأمر ، فبعث إليه المأمون إنما اريد بذلك أن تطمئن قلوب الناس ويعرفوا فضلك ، فلم يزل عليه السلام يراده الكلام في ذلك فألح عليه . فقال : يا أمير المؤمنين إن اعفيتني من ذلك فهو أحب إلي وإن لم تعفيني خرجت كما خرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام فقال المأمون : اخرج كيف / صفحة 65 / شئت وأمر المأمون القواد والناس أن يبكروا إلى باب أبى الحسن عليه السلام . قال : فحدثني ياسر الخادم أنه قعد الناس لأبي الحسن عليه السلام في الطرقات والسطوح ، الرجال والنساء والصبيان ، واجتمع القواد والجند على باب أبي الحسن عليه السلام فلما طلعت الشمس قام عليه السلام فاغتسل وتعمم بعمامة بيضاء من قطن ألقى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه وتشمر ثم قال لجميع مواليه : افعلوا مثله ما فعلت ثم أخذ بيده عكازا . ثم خرج ونحن بين يديه وهو حاف قد شمر سرا ويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمرة فلما مشى ومشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء وكبر أربع تكبيرات فخيل إلينا أن السماء والحيطان تجاوبه والقواد والناس على الباب قد تهيؤوا ولبسوا السلاح وتزينوا بأحسن الزينة . فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة وطلع الرضا عليه السلام وقف على الباب وقفة ، ثم قال : ( الله اكبر ، الله اكبر ، الله اكبر ، الله اكبر ، على ما هدانا ، الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام والحمد لله على ما أبلانا ) نرفع بها أصواتنا قال ياسر : فتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج والصياح لما نظروا إلى أبي الحسن عليه السلام وسقط القواد عن دوابهم ورموا بخفافهم لما رأوا أبا الحسن عليه السلام حافيا . وكان يمشي ويقف في كل عشر خطوات ويكبر ثلاث مرات قال ياسر : فتخيل إلينا أن السماء والارض والجبال تجاوبه وصارت مرو ضجة واحدة من البكاء وبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين : يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس والرأى أن تسأله أن يرجع ، فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع فدعا أبو الحسن عليه السلام بخفه فلبسه وركب ورجع.

شخصية الإمام الرضا (ع)

اماسلوك الامام الرضا ( عليه السلام ) فقد كان انموذجا رائعا لسلوك آبائه الذين عرفوا بنكران الذات ، والتجرد عن كل نزعة لا تمت إلى الحق والواقع بصلة . لقد تميز سلوك الامام الرضا ( عليه السلام ) بالصلابة للحق ، ومناهضة الباطل ، فقد كان يأمر المأمون العباسي بتقوى الله تعالى ، وينعي عليه تصرفاته التي لا تتفق مع واقع الدين ، وقد ورم أنف المأمون من ذلك وضاق منه ذرعا فقدم على اقتراف افظع جريمة وهي اغتيال الامام ( عليه السلام )

أما أخلاق الامام علي ابن موسى الرضا ( عليه السلام ) فانها نفحة من اخلاق جده الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله ) الذي امتاز على سائر النبيين بهذه الظاهرة الكريمة ، فقد استطاع ( صلى الله عليه وآله ) بسمو اخلاقه أن يطور حياة الانسان ، وينقذه من أوحال الجاهلية الرعناء ، وقد حمل الامام الرضا ( عليه السلام ) أخلاق جده ، فكانت من أهم عناصره ، انظروا ما يقوله ابراهيم بن العباس عن مكارم اخلاقه يقول : " ما رأيت ، ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) ، ما جفا احدا قط ولا قطع على أحد كلامه ، ولا رد أحدا عن حاجة ، وما مد رجليه بين جليسه ، ولا اتكأ قبله ، ولا شتم مواليه ، ومماليكه ، ولا قهقه في ضحكة ، وكان يجلس على مائدته ومماليكه ومواليه قليل النوم بالليل ، يحيي اكثر لياليه من أولها إلى آخرها كثير المعروف والصدقة واكثر ذلك في الليالي المظلمة .

---------

إغتيال الإمام بعد اليأس !!

أكان الإمام يرى من خلال هذه المسافة مالايراه المأمون وأعوانه ؟؟ أكان يرى حديث جده واضعاً يده على كتف سلمان :  لو كان الإيمان  في الثريا لناله رجال من هؤلاء  ؟؟

4 أأئمة في المدينة و 6 أأئمة في العراق وامام واحد  في إيران الإسلامية  ..

من الإمام الأول وهو الإمام أمير المؤمنين (ع) بدأ الخروج من دائرة

الوطن ( مكة)  والهجرة (المدينة) إلى ساحة جديدة وهي (العراق)

ثمرة حركة الأئمة عليهم السلام جديرة بالتامل والدراسة !!

التوزيع الجغرافي الطويل الأمد حول منطقة الخلاص بالكثافة من الأنصار والأعوان

أمر يتجلى اليوم بعظمة في تخطيطهم الدؤوب لهداية الناس ،  وإيصال المسيرة

الإيمانية بكل تضحيا تها إلى حيث الثمرة الناضجة لحياة البشرية ..

بدأوا بخطة طويلة الأمد لتحرير الداخل من المحررين من الخارج !!!

وهي قمة التضحية لهداية البشرية إلى نور الهداية والخلاص .. مع الأسف أن الأئمة تلقوا الطعنات من الأقربين بل قتلوا سبط الرسول وريحانة المصطفى  والقربى الذين فرض الله تعالى مودتهم ووصية نبيهم

من بعد قتل الإمام الحسين (ع) بدأت الدعوة من خارج مكة المكرمة والمدينة المنورة ، ونرى اليوم ثمرة تلك الجهود المباركة ..

ايران الإسلامية 80 مليون والعراق 17 مليون

 وفي لبنان والخليج والهند وباكستان وغيرها

المجموع مايقارب 90 مليون في المنطقة  ثمرة تضحيات مخلصة ..

لقد رأى المأمون الإمام الرضا (ع) وهو يستحوذ على عقول وقلوب الأمة ،فلم يجد لنفسه مكانا إلا بالقوة والسيف

فدس السم للإمام وسار خلف جنازته

لم يخرج الإمام من سجن القصر شهيدا مسموما

كما خرج أبوه من سجن هارون مسموما شهيدا

ربما حسب نفسه منتصراً .. وهو لايدري

أن دعوة الإمام بدأت من ضريحة المقدس

وأصبح قبلة الأحرار وعشاق مختلف الملائكة

غرباء الأمس أرباب البيوت اليوم ..

بل راياتهم تصنع الإنتصارات

يقطع مسيرة طويلة من المدينة المنورة إلى خراسان وحيداً

ليكون من تتحقق بشارة جده المصطفى على يديه 

 {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }التوبة39

 ( وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ }محمد38

المقدس الثامن  من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله ، يحقق إنقلاباً في خراسان خلال سنة واحدة ، وببركته يقود إبنه وحفيده ثورة القرن العشرين ويفتح الله تبارك وتعالى على يديه  نافذة أمل البشرية

ووصلت الحال إلى تسارع العد التنازلي لظهور بشارة الأنبياء وخاتم الوصياء أرواحنا له الفداء  ..

بالأمس سار وحيداً إلى خراسان

 ليعود اليوم  مع 80 مليون !!

ياعلي بن موسى أيها الرضا يابن رسول الله

ياحجة الله على خلقه ياسيدنا ومولانا

إنا توجهنا واستشفعنا وتوسلنا بك إلى

 الله وقد مناك بين يدي حاجاتنا

ياوجيها عند الله

إشفع لنا عند الله عزوجل ..

------- 

فؤاد عاشور بوعيسى 12-12-2005

الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السلام  ،  ولد في 11 ذي القعدة سنة 148 هجرية وُلد عليّ بن الرضا ( عليه السلام ) في المدينة المنورة . أبوه : الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، وأمّه : إمرأة صالحة اسمها "نجمة".أمضى طفولته مع أبيه الإمام ، وكان أبوه يوصي أصحابه ويشير إلى إمامة ابنه . الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) هم النخبة الذين اصطفاهم الله لهداية الناس بالحقّ ، فكانوا المثَل الأعلى في الإنسانية والخلق الكريم . يقول " إبراهيم بن العباس " : ما رأيت أبا الحسن الرضا جفا أحداً بكلامه قط ، وما رأيته قطَع على أحد كلامه حتى يفرغ منه ، وما ردّ أحداً من حاجة يقدر عليها ، وما مدّ رجليه بين جليس له قط ، ولا اتّكأ بين يدي جليس له قط ، ولا شتم أحداً من مواليه ومماليكه قط ، ولا رأيته تفل قط ، ولا تقهقه في ضحكه ، بل ضحكه التبسم ، وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس معه عليها مماليكه حتى البواب والسائس ، ومن زعم انه رأى مثله في فضله فلا تصدّقوه . ... من كلماته الخالدات . (ورافق أحدهم الإمام الرضا في رحلته إلى خراسان ، فدعا الإمام بالمائدة وجمع عليها مواليه ومماليكه لتناول الطعام ، فقال الرجل : يابن رسول الله لو جعلت لهؤلاء مائدة لوحدهم ؟ فقال الإمام الرضا ( عليه السلام ) : إن الرب تبارك وتعالى واحد ، والأب واحد والأم واحدة ، والجزاء بالأعمال . .. وخاطب أحدهم الإمام قائلاً : والله ما على وجه الأرض أشرف منك أباً . فقال الإمام : التقوى شرّفتهم . وأقسم آخر أيضاً قائلاً : أنت والله خيرُ الناس . فأجاب الإمام : لا تحلف يا هذا ، خيرٌ مني من كان أتقى لله عزّ وجل . . والله ما نُسخت هذه الآية " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم " . الإمام ينصح أخاه : كان زيد أخو الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، ثار في مدينة البصرة وأحرق بيوت العباسيين ، فلُقِّب بزيد النار . أرسل إليه المأمون جيشاً كبيراً ، وبعد معارك طاحنة ، طلب زيدٌ الأمان فسلّم نفسه وأُخذ أسيراً . وعندما أصبح الإمام ولياً للعهد ، ارتأى المأمون أن يرسله إلى الإمام . كان الإمام غاضباً من عمل أخيه زيد لكثرة ما أحرق من البيوت وما صادره من أموال . قال الإمام لأخيه : ويحك يا زيد ما الذي غرّك حتى أرقت الدماء وقطعت السبيل ، أغرّك قول أهل الكوفة ، أن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذرّيتها على النار ! ويحك يا زيد إنّ ذلك ليس لي ولا لك ، لقد عنى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بذلك حسناً وحسيناً ، والله ما نالا ذلك إلا بطاعة الله ، فإن كنت ترى أنك تعصي الله وتدخل الجنة فأنت إذن أكرم على الله منهما ومن أبيك موسى بن جعفر . قال زيد : أنا أخوك . فقال الإمام : أنت أخي ما أطعت الله عز وجل ، وإنّ نوحاً قال : ربّ إنّ أبني من أهلي وإنّ وعدك الحق وأنت أرحم الراحمين . فقال له الله عز وجل : " يا نوح انه ليس من أهلك انه عمل غير صالح " . كان الإمام الرضا ( عليه السلام ) في المدينة المنورة عندما جاء أمر الخليفة بالسفر إلى مرو . شدّ الإمام الرحال إلى خراسان ، فوصل البصرة ومنها توجه إلى بغداد ثم توقف في مدينة قم حيث استقبل استقبالاً حافلاً ، ودخل الإمام ضيفاً في أحد بيوتها ، هو اليوم يحمل اسم المدرسة الرضوية . استقبل أهل نيسابور موكب الإمام بفرح ، وكان في طليعتهم المئات من العلماء وطلاّب العلم . وتجمع العلماء والمحدثون حول موكب الإمام ؛ والأقلام بأيديهم ينتظرون من الإمام أن يحدّثهم بأحاديث جدّه النبي ( صلى الله عليه وآله ) . وتعلّق بعضهم بلجام بغلة الإمام ، وأقسموا عليه قائلين : بحق آبائك الطاهرين إلاّ ما حدّثتنا بحديث نستفيده منك . فقال الإمام ( عليه السلام ) : سمعت أبي موسى بن جعفر يقول : سمعت أبي جعفر بن محمد يقول : سمعت أبي محمد بن علي يقول : سمعت أبي علي بن الحسين يقول : سمعت أبي الحسين بن علي يقول : سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : سمعت جبريل يقول : سمعت الله عزّ وجل يقول : لا إله إلاّ الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي . واستشهد الإمام ، متأثراً بالسم العمر : 55 سنة . ، فمضى إلى الله مظلوماً شهيداً . استشهد الإمام سنة 203 هجرية ودُفن في مدينة طوس ( مشهد ) حيث مرقده الآن . سيد مهدي آية الهي