
( 1)
النبي وفريقان من أصحابه
دخل النبي (ص) ذات يوم مسجد المدينة فشاهد جماعتين من الناس، كانت الجماعه الأولى منشغلة بالعباده والذكر، والأخرى بالتعليم والتعلم.
فألقى عليهم نظرة فرح واستبشار وقال للذين كانوا برفقته مشيرا إلى الفئة الثانية : ما أحسن ما يقوم به هؤلاء! ثم أضاف قائلا : إنما بعثت للتعليم ! ثم ذهب وجلس مع الجماعة الثانية.
(2)
الرجل الذي طلب المساعدة
يبنما كان يستعرض صور ماضيه الملئ بالمشقة ويتذكر الأيام المره التي خلفها وراءه ، كالأيام التي لم يكن قادرا فيها على الحصول على القوت اليومي وأطفاله المساكين . بينما كان كذلك وإذا بحديث سمعه من قبل يطرق سمعه ثلاث مرات مما بعث العزم وغير مسيرة حياته وأنقذه مع عائلته من أسر الفقر والنكبه.
فبعد أن رأت زوجته أن الفقر المدفع قد بلغ أوجه، أشارت عليه بأن يذهب إلى النبي (ص)ويعلمه بحالته المتدهوره تلك ويطلب منه العون والمساعده.
فمضى من ساعته إلى النبي (ص) ليخبره بما اقترحت عليه زوجته، وقبل أن يتفوه بحاجته ، سمع هذا الحديث من النبي (ص): (( من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله ))
فلم يقل شيئا وعاد إلى بيته بخفي حنين. ومن شدة وطأة الفقر اضطر إلى أن يذهب إلى النبي (ص) في اليوم التالي لطلب المساعده ، وإذا بالحديث نفسه يطرق سمعه للمره الثانيه (( من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله )).
وعاد كما في المره الأولى الى بيته من دون أن يظهر حاجته إلا أنه وجد نفسه في قبضة الفقر لا مناص منها ، فنهض قاصدا النبي(ص) للمره الثالثه.
وما أن سمع حديث الرسول (ص) حتى غمر الاطمئنان قلبه لأنه أحس بأن مفتاح مشكلته بيده فخرج وهو يسير بخطوات واثقه مرددا في نفسه : لن أطلب معونه العبيد أبدا ، سأعتمد على الله عليه فهو حسبي ، وسأستعين بما وهبني عزوجل من قوة، وما التوفيق إلا من عند الله .
وبينما هو في غمره الأفكار استوقفه سؤال : ترى ما العمل الذي بمقدوري أن اعمله ؟
وفجأه خطر له أن يذهب إلى الصحراء ويحتطب ، فاستعار معولا وشق طرقه نحو الصحراء ، جمع مقدار من الحطب ، جاء به إلى المدينه ، باعه ، فذاق لذة تعبه وحلاوة كدحه . ولم يزل هذا ديدنه حتى استطاع أن يشتري له ناقة وغلامين وكل مايحتاجه من لوازم لعمله ، وإذا به يصبح ذا ثراء وغلمان ، وذات يوم التقى النبي (ص) فأخبره خبره وكيف انه جاءه لطلب المساعده فابتسم النبي (ص) وقال اتذكر انني قلت حينها (( من سألنا اعطيناه ومن استغنى أغناه الله)).
(3)
طلب الدعاء
دخل على الإمام الصادق (ع) رجل في حالة يرثى لها من الاضطراب والقلق والانفعال ، وقال له (( يا مولاي ، أدع لي الله يرزقني ، لأنني كما تراني فقير لا أملك قوت يومي ))
فقال الإمام (ع) : (( لن أدعولك ((
فتعجب السائل قائلا : (( ولم لا تدعو لي يا مولاي ؟ ))
فرد الامام قائلا : (( ان الله تبارك وتعالى أمرنا بالسعي في طلب الرزق وعدم التواكل ، أما إذا اردت أن تجلس في بيتك وتتوسل الى رزقك بالدعاء فهذا مالايرضاه الله فاسع إلى طلب الرزق كما أمرك ))
(4)
عقل الناقة
ظهرت اثار التعب والانهاك على قافله الرسول (ص) ، بعد ان قطعت في المسير شوطا طويلا. ولما وجدت الماء الذي كانت تفتش عنه لتنزل بالقرب منه ، فألقت عصا الترحال ونزل الصحابة ثم أناخوا مراكبهم المجهدة ، كما نزل النبي (ص) سرعان ماقفل راجعا الى ناقته مما أثار عجب الصحابة ، فظنوا أنه لم يرتض هذا المكان منزلا ويريدان يأمرهم بالسير فقالوا له : إلى أين تريد يا رسول الله ؟
فقال : (( اعقل ناقتي))
(( نحن نعلقها يا رسول الله ))
فقال (ص) : (( لا يستعن أحدكم بغيره ولو بقضمة من سواك )).
(5)
صديق في طريق الحج
عندما عاد من الحج أخذ يقص على الامام الصادق (ع) ماحدث له في سفره مع رفاقه اللذين كانوا معه ، فكان يثني على أحدهم خاصه لأنه كان رجلا زاهدا عابدا تقيا ، ثم علق قائلا: (( لقد كنا نفخر بصحبته يا مولاي فلقد كان مشغولا بالطاعة والعبادة على الدوام، وكنا ما أن ننزل المكان حتى ينتحى ناحية يشتغل بالطاعة والعبده فيها ))
وهنا سأله الصادق (ع): (( من ذا الذي كان ينجز أعماله إذا ؟ ))
(( نحن الذين كنا نقوم بذلك لانشغاله بالعباده التي لم يكن له شان سواها ))
فقال له الامام: (( فلتعلموا اذا انكم كلكم افضل منه ))
(6)
على مائدة الطعام
ما ان ترجل النبي 0ص) وأصحابه وخففوا عن مراكبهم احمالها حتى استقر رأيهم على أن يذبحوا شاة ويعدوها غداء لهم.
فقال احدهم: ((علي ذبحها))
وقال الثاني: (( علي سلخها))
وقال الثالث: ((وعلي طبخها))
وقال الرابع: ((..............))
ثم قال النبي (ص): (( أما أنا فعلي جمع الحطب))
فقال الصحابه: (( نحن نكفيك يا رسول الله ))
فقال (ص): (( أعلم ذلك، إلا انني أكره أن اتميز عليكم فان الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه)) . ثم قال (ص) وجمع مقدار من الحطب واتى به.
(7)
القافلة التي تريد الحج
قافله من المسلمين كانت يقصد مكة المكرمة، وما أن وصلت إلى المدينة حتى القت عصا الترحال والقت بثوب النعي عليها ، ثم واصلت السير بعد أيام شطر مكة المكرمة.
وفي الطريق بين مكة والمدينة وفي أحد المنازل صادف رجال القافلة شخصا كان يعرفهم وفي أثناء الكلام معه جلب انتباهه شخص كان مشغولا بخدمة القافله وادارة شؤؤنها. وكانت اثار الصلاح والصالحين بادية عليه. فعرفه للوهله الأولى وسأل الرجال بتعجب ؟ أتعرفون من هذا الرجل المشغول بخدمتكم وانجاز أعمالكم ؟
لا ، لا نعرفه انه التحق بقافلتنا في المدينة ، رجل زاهد، صالح، ذو ورع وتقوى، يرغب في انجاز أعمال الاخرين ومساعدتهم دون ان نطلب منه مساعدة أو انجاز عمل.
نعم، انكم لا تعرفونه ، فلو عرفتموه لم تكلوا اليه أعمالكم.
فقالوا مستغربين: من هو ؟
انه علي بن الحسين – زين العابدين.
فنهض رجال القافلة ، وتقدموا صوب الامام (ع) معتذرين نادمين.
فقال(ع) : انما رغبت بكم رفقاء للسفر لانكم لا تعرفونني ، ولأنني عندما أسافر مع الذين يعرفونني لا يدعونني اعمل شيئا ، ولهذا فإنني أرغب أن أسافر مع الذين لا يعرفونني كي احظى بخدمتهم.
(8)
المسلم والذمي
كامنت الكوفه فيما مضى محط أنظار الدولة الإسلاميه، وكانت أنظار المسلمين عامة، ماعدا الشام ،متوجهة اليها تنتظر ما يصدر فيها من امر وتترقب ما يتخذ فيها من قرار.
ومن محاسن المصادفات ان التقى خارجها ذات يوم من الأيام، مسلم وذمي فسأل أحدهما الاخر عن الجهة التي يطلبها.
فقال المسلم: أنا أريد الكوفة.
وقال الذمي: أما أنا فأريد مكان قريب منها.
ثم اتفقا أن يسيران معا ويقطعا طريقهما بالتحدث إلى بعضهما. ولإنسجامهما في الحديث لم يشعرا بمضي الوقت ولاطول الطريق،إلى أن وصلا مفترق الطرق، فتعجب الذمي لما رأى أن رفيقه المسلم يترك طريق الكوفه ويواصل السير معه، إذ ذاك سأله؟ ألست زعمت انك تريد الكوفة؟
بلى.
فلم عدلت اذا ؟ هذا ليس طريق الكوفة.
أعلم ذلك ، فمن حسن الصحبة عندما أن يشيع الرجل صاحبه هنيهة اذا ما فارقه ، وبهذا أمرنا نبينا محمد (ص).
فقال الذمي: لا غرو أن يتبعه من تبعه لاخلاقه الحميدة وأفعاله الكريمة، وها أنا أشهدك إني على دينك. ورجع معه فلما عرف أنه أمير المؤمنين (ع)، أسلم.
(9)
في ركاب الخليفة
عند مسيره الجهادي إلى الشام، ملر الإمام علي (ع) بمدينة الأنبار التي كان يقطنها الفرس ، فخرج لاستقباله دهاقينها وفلاحوها وترجلوا والتفوا حوله مزدحمين لشدة استبشارهم بقدومه.
فقال(ع): ماهذا الذي صنعتموه؟
قالوا: خلق منا نعظم به امراءنا.
فقال(ع): والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم وإنكم لتشقون على أنفسكم في دنياكم، وتشقون به في آخرتكم وما أخسر المشقة وراءها العقاب ، وأربح الدعة معها الأمان من النار.
(10)
الإمام الباقر والنصراني
أراد رجل نصراني أن يستهزئ بالإمام محمد بن علي بن الحسين(ع) الملقب بالباقر، فقال له: أنت بقر. وبكل سماحته ولطفه أجابه الباقر(ع): لا ، أنا الباقر. فمضى النصراني يمعن باستخفافه بالإمام فقال: أنت ابن الطباخه، تلك هي حرفتها! أنت ابن السوداء الزنجية البذيئة.
فأجابه الإمام: ان كنت صدقت غفر الله لها وإن كنت كذبت غفر الله لك.
أن صفح الامام(ع) وحلمه في الوقت الذي كان فيه قادرا على أن يرد الصاع صاعين أوجد نفس النصراني وروحيته انقلابا أدى بالنتيجة إلى اسلامه.
(11)
النبي والأعرابي
قدم المدينة ارابي من البادية وذهب إلى المسجد كي يظفر بمال من النبي(ص) فرأى النبي(ص) جالسا بين جماعته وأصحابه. فدنا الاعرابي وأظهر حاجته طالبا من النبي (ص) أن يساعده. فأعطاه النبي(ص) شيئا ،إلا أن الإعرابي لم يقنع وعد ما أعطي قليلا وتفوه على النبي(ص) بالخشن البذئ من الكلام مما أثار نار الغضب لدى أصحابه، فقالوا للاعرابي يطرحونه أرضا فحال النبي (ص) بينهم وبينه، ثم خرج مصطحبا الاعرابي إلى بيته فزاده شيئا، ولما تبين للاعرابي أن حال النبي (ص) لا يشبه حال الملوك والأمراء، أظهر الرضا والامتنان قائلا : جزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
فقال النبي(ص): انك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي من ذلك شيء وأنا اخشى أن يصيبك منهم أذى، فأن احببت فقل بين أيديهم ماقلت بين يدي حتى يذهب مافي صدورهم عليك)) .
فاستجاب الاعرابي لذلك ، فلما كان الغد أخذ الاعرابي طريقه إلى المسجد فوجد النبي(ص) وأصحابه جالسين، فالتفت النبي(ص) إلى أصحابه وقال(( أن هذا الاعرابي قال ما قال فزدناه فزعم انه رضي)) ثم سأل الاعرابي:((أليس كذلك؟)) فقال الاعرابي: ((نعم)) وكرر ماقاله بين يدي رسول الله(ص):((جزاك الله من اهل عشيرة خيرا)).
وهناالتفت النبي(ص) إلى أصحابه قائلا :((مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت منه فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحبها : خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق منكم بها وأعلم، فتوجه لها بين يديها فأخذها من قمام الأرض فردها حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها ثم استوى عليها.وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ماقال فقتلتموه دخل النار))
(12)
الإمام الحسين والرجل الشامي
دخل عصام بن المصطلق المدينة لشأن كان يطلبه، فرأى الحسين بن علي(ع) فأعجب لما رآه فيه من هيبة ووقار فثار في نفسه ماكان يخفيه من حسد لعلي(ع9، فقال مخاطبا الإمام الحسين(ع):((أأنت ابن أبي تراب؟)) –نعم.
فبالغ ابن المصطلق في شتمه وشتم ابيه.
فنظر إليه الحسين(ع) نظرة عاطف رؤوف ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فأستعذ بالله إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لايقصرون، ثم أردف الإمام قاءلا : هون عليك، استغفر الله لي ولك، انك لو استعنتنا لأعناك ولو استرفدتنا لأرفدناك ولو استرشدتنا لأرشدناك ثم سأله: أمن أهل الشام أنت ؟
نعم
فقال الإمام(ع):((أنت رجل غريب، أبسط لنا حاجتك وما يعرض لك تجدني عند أفضل ظنك أن شاء الله تعالى)).
فضاقت الأرض على عصام بما رحبت ودلو ساخت به ثم انصرف عن الإمام وما على الأرض أحب إليه من حسين ومن أبيه(ع).
(13)
الرجل الذي طلب النصيحة
أتى المدينة رجل من البادية وذهب إلى النبي(ص) يستنصحه فقال له النبي (ص):((لا تغضب)).
وعندما رجع إلى قبيلته أخبر بأن بعض صبيانها سرقوا مالا من قبيلة أخرى فعوملوا بالمثل، فاسفرت النتيجة باصطفاف القبيلتين للقتال واشعال نار الحرب، فما سمع الاعرابي بهذا الخبر اضطرمت نار الغضب في داخله، فقام وطلب سلاحه والتحق بصف قومه. وبينما هو كذلك إذا بشريط الذكريات يتوالى في ذهنه فتذكر أنه ذهب إلى المدينة وطلب من النبي أن ينصحه، وكانت نصيحة النبي (ص) له (( لا تغضب!))
ساعتئذ ثاب الإعرابي إلى رشده ورجع إليه عقله، ففكر في نفسه:((فيم الانفعال؟ ماهذا الاستعداد للحرب والقتال؟ وفيم الغضب من غير ما سبب؟))
وإذا بنصيحة الرسول(ص) تدعوه إلى نصح زعماء أعدائه فناهاهم قائلا: ياقوم علام هذا النزاع؟ إن كان لكم جراحه أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر فعلي في مالي أنا أو فيكموه، فليس هنالك من سبب للقتال وسفك الدماء.
فلما سمع زعماء القوم كلامه تحركت في نفوسهم الغيرة والشهامة وقالوا:((فما كان فهو لكم، ونحن أولى بذلك منكم)) فتصالح الطرفان ورجع الصفان كل إلى قبيلته.
(14)
المسيحي ودرع الإمام علي (ع)
كان الإمام علي(ع) يأبى الترفع على رعاياه في المخاصمه والمقاضاة. بل وكان يسعى إلى المقاضاة إذا استوجب الأمر ذلك لما أشيع فيه من روح القسط والعدالة. من ذلك أنه وجد درعه عند عربي مسيحي من عامة الناس، فأقبل به إلى أحد القضاة ، اسمه ((شريح)) ليخاصمه ويقاضيه. ولما مثلا أمام القاضي قال الإمام علي (ع):((إنها درعي ولم أبع ولم أهب)) فسأل القاضي الرجل المسيحي: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟فقال النصراني:((ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب)).
وهنا التفت القاضي شريح إلى علي يسأله:((هل من بينة تشهد على أن هذه الدرع لك؟)) فضحك علي وقال:((أصاب شريح، مالي بينه)) فقضى شريح بالدرع للرجل المسيحي ، فأخذها ومشى، وأمير المؤمنين ينظر إليه. إلا أن الرجل لم يخط خطوات قلائل حتى عاد يقول:((أما أنا فأشهد أن هذه أخلاق الأنبياء . أمير المؤمنين يدينني إلى قاضي يقضي عليه!ثم أردف قائلا:(( الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضي يقضي عليه! ثم أردف قائلا:((الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين وقد كنت كاذبا فيما ادعيت)).
وبعد مرور مدة على ماحدث، شهد الناس هذا الرجل وهو من أصدق الجنود وأشد الأبطال بأسا وبلاء مع الإمام علي(ع) في قتاله ضد الخوارج يوم النهروان.
(15)
الإمام الصادق وجماعة من الصوفية
دخل سفيان الثوري على الإمام الصادق(ع) فوجده مرتديا ثيابا بيضا ظريفة كأنها غرقي البياض فقال للإمام معترضا ((أن هذا ليس من لباسك،ويجب أن لا تلوث نفسك بزينة هذه الدنيا الزائلة كما أن عليك أن تزهد فيها وتحلي نفسك بالتقوى)).
فقال(ع):((اسمع مني ودع ما أقول لك فإنه خير لك عاجلا وآجلا إن كنت أنت مت على السنة والحق ولم تمت على بدعة من الممكن تجسد أمام عينيك الوضع البسيط للرسول وصحابته وذلك الوقت. أخبرك أن رسول الله (ص) كان في زمان جشب. فإذا اقبلت الدنيا فأحق أهلها بها ارارها لإفجارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لاكفارها،فما الذي تنكره علي يا ثوري، فوالله وإني لمع ماترى، ما أتى علي مذ صرت راشدا،صباح ولا مساء والله في مالي حق امرء أن اضعه موضعا إلا وضعته)).
فخرج سفيان من عند الإمام(ع) بدون أن يرد عليه بقول . ثم دخل على الإمام(ع) قوم ممن يظهرون الزهد ويدعون الناس أن يكونوا معهم على مثل الذي هم عليه من التقشف.
فقالو: أن صاحبنا الثوري قد أرتج عليه ولم تحضره حجة.
فقال(ع) لهم: هاتوا حججكم؟
فقالوا:إننا نستنبط حججنا من كتاب الله تبارك وتعالى.
فقال(ع):فأدوا بها، فأنها أحق ما اتبع وعمل به.
فقالوا:يقول الله تبارك وتعالى مخبرا عن قوم من خاصة الرسول (ص)، ((ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة،ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)).
وقال سبحانه في موضع آخر:
((ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا))
فقام رجل من الجالسين وقال: أنا ما رأيتكم قط تزهدون في الطيب من الطعام ومع ذلك تأمرون الناس بالزهد في أموالهم حتى تتمتعوا أنتم بها.
فقال الإمام(ع):دعوا عنكم مالا ينفع به، أخبروني أيها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه، ومحكمه من متشابهه الذي في مثله ضل من ضل وهلك من هذه الأمة؟
فقالوا له: بعضه، فأما كله فلا.
فقال الإمام الصادق(ع): من ههنا أتيتم ودخل عليكم البلاء وأصابكم ما أصابكم. وأما ما ذكرتم من أخبار الله ايانا في كتابه عن القوم الذين اخبر عنهم لحسن فعالهم، فقد كان مباحا جائزا ولم يكونوا قد نهوا عنه، وثوابهم منه على الله ذلك أنه جل وعلا أمر بخلاف ما عملوا به فصار أمره ناسخا لفعلهم وكان نهيه تبارك وتعالى هدى للمؤمنين ورحمة، لكيلا يضروا بأنفسهم وعيالاتهم ، لأن منهم الضعفة الصغار والولدان والشيخ الفاني والعجوز الكبيره، الذين لايصبرون على الجوع فإذا تصدقت برغيفي ولا رغيف لي غيره ضاعوا وهلكوا جوعا. ولهذا قال رسول الله(ص):تمرات،أو خمس قرص،أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان ويريدان أن ينفقها فأن أولها وأفضلها ما أنفقه الانسان على والديه، ثم الثانية على نفسه وعياله،ثم الثالثة على القرابة وأخوانه المؤمنين،ثم الرابعة على جيرانه الفقراء،ثم الخامسة في سبيل الله وهو أحسنها أجرا.
وقال النبي(ص) عندما سمع رجلا من الأنصار انفق عند موته كل ما يملك وكان له أولاد صغار((لو علمتموني أمره ماتركتكم تدفنونه مع المسلمين ، ترك صبية صغارا يتكففون الناس)).
ثم قال الإمام(ع)حدثني أبي الباقر(ع)عن النبي(ص)قال:((ابدأ بمن تعون الأدنى فالأدنى )) اضافه أن القرآن الكريم رد قولكم ونهى عن عملكم حيث قال الله تعالى:((والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)) وفي غيرها يقول:((انه لا يحب المسرفين)) فنهاهم عن الاسراف ونهاهم عن التقتير، وعين أمرا بين أمرين، لا أن يعطي جميع ما عنده، ثم يدعوا الله أن يرزقه فلا يستجيب له، للحديث الذي جاء عن النبي (ص) ((أن أصنافا من أمتي لا يستجاب لهم دعاؤهم)):
1- رجل يدعو على والديه.
2- ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال فلم يكتب عليه ولم يشهد عليه.
3- ورجل يدعو على امرأته وقد جعل الله تخلية سبيلها بيده.
4- ورجل يقعد في البيت ويقول أيارب ارزقني،ولا يخرج لطلب الرزق.
فيقول الله عزوجل :عبدي:أولم اجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة فتكون قد اعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري،ولكي لاتكون كلا على أهلك، فإن شئت رزقتك وإن شئت قترت عليك وأنت معذور عندي.
5- ورجل رزقه الله مالا كثيرا فانفقه ثم اقبل يدعو يارب ارزقني فيقول الله:ألم ارزقك رزقا واسعا،أفلا اقتصدت فيه كما امرتك ولم تسرف كما نهيتك؟
6- ورجل يدعو في قطيعة رحم.
ثم أن تعالى علم نبيه(ص) كيف ينفق مقدارا من الذهب فكره أن يبيت عنده شيء منه فتصدق به جميعا في يوم واحد،وفي اليوم التالي جاءه سائل ويطلب منه مساعده ولم يبق مع النبي(ص)شيء حتى يعطيه فاغتم غما شديدا،فنزلت الآيه((ولا تجعل يدك مغلوله إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط، فتقعد ملوما محسورا)). هذه هي أحاديث الرسول(ص) والقرآن يؤيد مضامين هذه الأحاديث.
ولقد قيل لأبي بكر عندما حضرته الوفاة:أوص: فقال: أوص بالخمس والخمس كثير فإن الله قد رضي بالخمس،فأوصي بالخمس. وقد جعل الله عزوجل له الثلث عند موته ولو علم أن الثلث خير له لاوصى به.
كما جرى على طريقته كل من سلمان وأبي ذر الذين عرفا بالزهد والورع والتقى. فأما سلمان فكان إذا أخذ عطاءه،عزل منه قوته لسنته وادخر حتى يحضره عطاؤه المقبل. فقيل له يا أبا عبدالله أنت في زهدك تصنع هذا وإنك لاتدري قد تموت اليوم أو غدا، فكان جوابه لهم: مالكم لا ترجون لي البقاء كما وصفتوني بالفناء؟ أو علمتم ياجهلة، أن للنفس ثلثات على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمده، فإذا هي احرزت معيشتها اطمأنت.
وأما أبوذر(رض) فكانت لو نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، أو نزل به ضيق، أو رأى بالذين يسعون إليه خصاصة نحرلهم الجزور أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم قرم اللحم فيقسمه بينهم ويأخذ بينهم كنصب أحدهم لا يفضل عليهم.
ومن ازهد من هؤلاء؟! وقد قال فيهم رسول الله ماقال. اعلموا أيها النفر إنني سمعت أبي يروي عن آبائه عليهم السلام،أن رسول الله (ص)قال يوما: ((ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن أن قرض جلده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له،وإن ملك مابين مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له، فكلما يصنع الله عزوجل به فهو خير له)).
فسعادة المؤمن وخيره لا يتوقفان على فقره وسعته، خير المؤمن وسعادته ينشآن عن ايمانه وعقيدته لأنه يعلم بأن وظيفته يجب أن ينجزها سواء أكان ثريا أم فقيرا. والعجب أن المؤمن يضيق على نفسه ويعتبر هذا الضيق والفاقة سعاده وخيرا.
ثم استطرد (ع)قائلا: هل أزيدكم فيما قلت لكم؟ أو ما علمتم أن الله جل اسمه قد فرض على المؤمنين في أول الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين ليس له أن يولي وجهه عنهم. ومن ولاهم يومئذ دبره فقد تبوأ مقعدا من النار.ثم حولهم من حالهم رحمة منه فصار الرجل منهم يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من الله عزوجل عن المؤمنين فنسخ الرجلان العشره أخبروني ايضا عن القضاة،أجور منهم حيث يفرضون على الرجل منكم نفقة امرأته، إذا قال: أنا زاهد ولا شيء عندي؟ فإن قلتم: جور، ظلمتم أهل الإسلام،وافتريتم عليهم، وإن قلتم عدل، خصمتم أنفسكم. اخبروني لو كان الناس كلهم مثلكم زهادا لا حاجة لهم في متاع غيرهم، فعلى من كان يتصدق بكفارات الايمان والنذور والصدقات من فرض الزكاة من الإبل والغنم والبقر وغير ذلك من الذهب والفضة والنخل والزبيب، وسائر ماقد وجبت فيه الزكاة؟ إذا كان هدف الدين أن بيقى الإنسان في فقر وفاقه وضيق وضنك، وأن يعرض عن متاع الدنيا وزينتها ويحبس نفسه في المسكنه والفاقه، فقد وصل الفقراء إلى الهدف السامي ولا يجب أن نعطيهم شيئا من الزكاة حتى لانخرجهم من سعادتهم وخيرهم الذي يتمتعون فيه،وهو الفقر والحاجة باعتبار أنهم ينعمون بمثل هذه السعادة فيجب أن لايقبلوا شيئا من هذا القبيل.
إذا كان الأمر على ما تقولون فلا ينبغي لأحد أن يحبس شيئا من عرض الدنيا، إلا قدمه وإن كانت به خصاصة،فبئس ماذهبتم اليه، وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله عزوجل وسنة نبيه محمد(ص)وأحاديثه التي يصدقها الكتاب المنزل ولكنكم ترفضون أحاديث النبي(ص) إذا لم تتفق مع طريقتكم، وهذا هو جهل آخر،فانتم لم تتدبروا الآيات القرآنية وما تنطوي عليه من دقائق تثير الدهشة والاعجاب، ولم تميزوا بين الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والأمر والنهي.
اخبروني عن سليمان بن داود(ع)إذ سأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فاعطاه الله جل اسمه ذلك، وكان (ع)يقول الحق ويعمل به ثم لم نجد الله عاب ذلك عليه،ولا أحد من المؤمنين أيضا، وداود(ع) قبل في ملكه وشدة سلطته، ثم يوسف(ع) حيث قال لملك مصر((اجعلي على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)) فاختار مملكة الملك وما حولها إلي اليمين فكانوا يحملون الطعام من عنده لمجاعة أصابتهم ، وكان(ع) يقول الحق ويعمل به،فلم نجد أحدا عاب ذلك عليه، ثم ذو القرنين عبد أحب الله فأحبه، طوى له الأسباب وملكه مشارق الأرض ومغاربها وكان يقول الحق ويعمل به ثم لم يجد أحدا عاب ذلك عليه.
فتأدبوا أيها النفر بآداب الله عزوجل ، واقتصروا على أمر الله ونهيه،ودعوا ما اشتبه عليكم مما لاعلم لكم به، وردوا العلم إلى أهله تؤجروا وتعذروا عند الله تعالى، وكونوا في طلب علم الناسخ من القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه، وما أحل الله فيه مما حرم فإنه أقرب لكم من الله وأبعد لكم من الجهل، ودعوا الجهالة إلى أهلها ، فإن أهل الجهل كثير وأهل العلم قليل ، وقد قال الله ((وفوق كل ذي علم عليم)).
(16)
الإمام علي(ع) وعاصم بن زياد
من كلام للإمام علي(ع)، بالبصره وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده، فلما رأى سعة داره قال:ماكنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخره أحوج، إن شئت بلغت بها الآخره تقري فيها الضيف ، وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها فإذا أنت قد بلغت بها الآخره.
فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال: وماله؟ قال: لبس العباء وتخلى من الدنيا، فقال الإمام: علي به. فلما جاءه قالله: يا عدو نفسه لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك، أترى الله أحل لكم الطيبات وهو يكره أن تأخذها، أنت أهون على الله من ذلك قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت من خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك.
قال: ويحك إني لست كأنت، أن الله تعالى فرض على أئمة العدل آن يقدروا أنفسهم بضعة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره.
(17)
المعسر والموسر
دخل رجل فقير ليس عليه ما يستره،على الرسول(ص) وهو جالس بين أصحابه وإلى جانبه رجل موسر، ما أن رأى الفقير بهذه الهيئة حتى جمع أطراف ثيابه دون علم منه أن النبي(ص): جمعت أذياك أخفت أن يمسك من فقره شيء؟
لا
أخفت أن يصيبه من غناك شيء؟
فقال (ص): فما حملك على ما صنعت؟
قال يا رسول الله أن لي قرينا شيطانا يزين لي كل قبيح ويقبح لي كل حسن.. واستطرد قائلا:
اعترف بأنني مخطئ وأنا مستعد أن أكفر عن الخطأ الذي قمت به تجاهه، بأن أهب له نصف ما أملك.
فقال النبي(ص) للمعسر: أتقبل؟
قال: لا
فقال له الرجل الموسر متعجبا: ولم؟
قال: أخاف أن يداخلني ما داخلك.
(18)
السوقي والعابر
كان مالك الأشتر ضخم الجثة طويل القامة يرتدي قميصا وعمه، قد طبعت الحرب على وجهه أثارها وعلمته بعلائمها وحكت عن بطولاته في ميادينها بتقاسيم وجهه. بينما كان يمشي ذات يوم في سوق الكوفه وإذا بأحد السوقه تحدثه نفسه بالازدراء به والاستهزاء بزيه فرماه ببندقة. وبدون أن يعيره الأشتر التفاه وأصل السير حتى توارى عن الأنظار.
عندها قيل للسوقي: ويحك أتعرف من رميت؟
لا، لم أعرفه، عابر مثل آلاف المارة.
أنه مالك الأشتر النخعي صاحب أمير المؤمنين(ع) وقائد جيشه.
أهذا هو مالك الذي يرتعد فرائض الأسد خوفا منه ويرتجف العدو من اسمه؟
نعم هو بعينه.
فهرول الرجل من ساعته راكضا خلف مالك ليعتذر إليه عما بدر منه، إلا أن مالكا كان قد دخل أحد المساجد، فلما وصل الرجل وجده قائما يصلي، فلما انتهى من صلاته انكب الرجل على قدميه يقبلهما. فقال له مالك ، ماهذا؟
اعتذرت إليك عما صدر مني، أنا الذي استهزأت بك وتجرأت عليك.
لا بأس عليك، فوالله ما دخلت المسجد إلا لاستغفرن لك.
(19)
الغزالي وقطاع الطرق
كان الغزالي العلم الإسلامي المشهور من أهالي طوس، وهي قرية تقع بالقرب من مدينة مشهد، وفي ذلك الوقت أي في القرن الخامس الهجري، كانت مدينة نيشابور مراكزا للعلم والمعرفة حيث كان رواد العلم يقصدونها من جميع الأنحاء.
وكان الغزالي من جملة من جاء إلى النيشابور وجرجان لطلب العلم وكسب الفضل، وقد حاز فعلا على جانب العظيم منهما على يد أساتذة بارعين.
وكانت طريقه الغزالي في الدرس أن يدون ما يلقيه عليه الاستاذ على ورقة حتى لاينساه، فتكونت لديه من هذا الطريق مجموعة من المخطوطات كتبها خلال فترة الدراسة ولما عزم على الرجوع إلى وطنه جمع جميع المخطوطات ووضعها في محفظة وسار القافلة قطاع طرق ليسلبوا كل مافي القافلة من مال، فلما وصل دور الغزالي شاهدوا محفظة المخطوطات فأرادوا أخذها منه فتوسل إليهم الغزالي أن يدعوها له، فظنوا أن في داخلها متاعا ذا قيمة، فلما فتحوها وجدوا فيها كتبا وأوراقا، فسألوه ماهذه؟ وما انتفاعك بها فأجابهم: أنها تنفعني ولا تنفعكم.
وما الذي تستفيده من أوراق كهذه؟
إنها ثمرة عدة سنين من الدراسة وأخذتموها مني فستضيع معلوماتي كلها وستذهب أتعابي هباء.
أحقا أن كل ما تعلمته هو في هذه الأوراق؟
نعم.
فقالوا له أن العلم الذي يكون قابلا للسرقة ليس بعلم فتركت هذه الكلمة أعمق الأثر في نفسه وأحدثت تغييرا في استعداده وذكائه، إذ أنه كان إلى ذلك الحين كالببغاء في تعلمه، يسجل كل ما معه عن استاذته على الأوراق، ولكنه أخذ بعد سماعه لهذه الكلمة يدرب ذهنه بدلا من تسجيلها على الورقة. يقول الغزالي عن تأثره بتلك النصيحة الثمينة: أن من أحسن النصائح التي نورت حياتي الفكرية تلك التي سمعتها من قطاع الطرق.
(20)
ابن سينا وابن مسكويه
تعلم ابن سينا علوم زمانه، ولما يبلغ العقد الثاني من عمره بعد وحاز على درجة ممتازة في الفلسفة والطبيعات والرياضيات والعلوم الدينية . وبينما كان مشغولا بالتدريس ذات يوم إذ حضر درسه ابن مسكويه العالم المعروف فرمى ابن سينا جوزة أمام ابن مسكويه وقال له بترفع: ماهي مساحة سطح هذه الجوزة؟ فرد ابن مسكويه على ابن سينا قائلا: اصلح أخلاقك أولا فأنت إلى اصلاح أخلاقك أحوج من تعيين مساحة سطح هذه الجوزة . ثم أعطاه كتابا في الأخلاق كان معه. فخجل ابن سينا من هذا وصار قول ابن مسكويه سببا في اصلاح أخلاقه فيما بقي من عمره.
(21)
نصيحة زاهد
خرج محمد بن منكدر الذي كان يعتبر من الزهاد والعباد إلى خارج المدينة ظهر يوم من الأيام الصيف القائظ. وكانت الشمس تلتهب التهابا، فرأى رجلا بدينا متكئا على غلامين أسودين وقد خرج لمراقبة مزرعة له، فقال في نفسه: من هذا الرجل الذي اخرجه شغل الدنيا في مثل هذا الجو الساخن؟ لأذهبن إليه واعظنه.
فلما دنا منه ألفاه الإمام الباقر(ع) فعجب أشد العجب، وبعد أن سلم عليه ورد الإمام عليه سلامه وهو يتصبب عرقا، قال ابن المنكدر: اصلحك الله، شيخ من أشياخ قريش، أفي ساعة كهذه وعلى حالة كهذه وعلى خرجت تطلب الدنيا؟ ماذا سيحدث لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال؟
فاستند الإمام الباقر(ع) إلى جدار ثم أجاب: والله لو جاءني الموت وأنا في هذه الحال جاءني الموت وأنا في هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله تعالى، اكف بها نفسي عنك وعن الناس ، أنما أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله. فتنبه ابن منكدر إلى خطأه حيث كان يظن إنه على صواب، فتوجه إلى الإمام وقال: يرحمك الله يا أبا جعفر أردت أن أعظك فوعظتني.
(22)
في مجلس الخليفة
كان الخليفة المتوكل يحذر الإمام الهادي(ع) ويخاف التفاف الناس حوله واطاعتهم له، وكان الوشاة المحيطون بالمتوكل لا يترددون عن القول أن الإمام الهادي يسعى للإطاحة بحكم المتوكل ولا يستبعدون أن يوجد في دار الإمام أدله ومستمسكات تشير إلى ذلك، كأن يكون بيته مذخرا للأسلحة، مما دعا المتوكل أن يرسل رجاله في ليلة من الليالي التي خيم فيها السكون على البلدة وسلط النوم كابوسه على الأبصار، لتفتيش بيت الإمام واحضار الإمام(ع) إلى مجلس الخليفة الذي كان ثملا آنذاك، يناجي غوانيه وندماءه.
عندما دخل رجال المتوكل على الإمام(ع) وجدوه مشغولا بالعبادة لا يليهه عن ذكر الله لاه، ولما فتشوا زوايا الدار لم يجدوا مرادهم فاكتفوا بأن اخذوا الإمام معهم واحضروه إلى المتوكل.
كان المتوكل سكرانا عندما دخل الإمام عليه، فأمر زبانيته أن يجلسوا الإمام إلىة جانبه، فلما جلس الإمام(ع) قدم المتوكل له خمرا فامتنع الإمام عن شربه معتذرا. فقبل المتوكل اعتذاره على أن يسمع الحاضرين شعرا غزليا ، فاعتذر الإمام مرة أخرى، إلا أن المتوكل لم يقبل عذره هذه المرة، فشرع الإمام(ع) ينشد هذه الأبيات:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم واسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعدما دفنوا أين ساور والتيجان والحلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم تلك الوجوه عليها الدود ينتقل
قد طال ما أكلو دهرا وما شربوا فاصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا
ولما أنشد الإمام(ع) هذه الأبيات، صحا المتوكل من سكره وتقاطرت دموعه على خديه وطلب من الإمام العفو والصفح.
وهطذا انفض مجلس الخليفة، وهكذا استطاع نور الحق أن يبزع بالحقيقة فيزيل ضباب الباطل
(23)
صلاة العيد
عندما انتصر المأمون بذكائه وتدبيره على أخيه الأمين وأصبحت الخلافة الإسلامية تحت سيطرته ونفوذه، كتب إلى الإمام الرضا(ع) يطلب منه الحضور في مرو- حيث كانت في ذلك الوقت جزء من خراسان، فاعتذر الإمام(ع) باعذار كثيرة ولكن اصرار المأمون عليه ومكاتبته له اجبراه على الخروج من المدينة والتوجه إلى مرو لعلمه أن المأمون أمر الخلافة، فأبى (ع) لأنه كان يعلم بنوايا المأمون ، وجرت بين الطرفين في هذا الموضوع مخاطبات كثيرة استمرت زهاء شهرين, اصرار من قبل المامون وامتناع من قبل الإمام(ع) . وعندما وجد المأمون أن لاسبيل له إلى ذلك، عرض على الإمام(ع) ولاية العهد فأجابه (ع) إلى ذلك وفق شروط فقبل المأمون وكتب(ع): أني ادخل في ولاية العهد على أن لاأمر ولا أنهي ولا أقضي ولا أغير شيئا فيما هو قائم وتعفيني من ذلك كله. فأجابه المأمون إلى كل شروطه، كما انه دعا الناس إلى الدخول في بيعة الإمام(ع) وكتب بذلك إلى البلدان وضربت الدراهم والدنانير باسمه وخطب له على المنابر، وما أن أحل عيد الفطر حتى بعث المأمون إلى الإمام(ع) يطلب منه أن يصلي صلاة العيد بالناس لتطمئن قلوبهم بهذه الدولة المباركة فأجابه الإمام(ع) قائلا: قد علمت ماكان بيني وبينك من الشروط في دخولي هذا الأمر.
فقال المأمون: إنما أردت بذلك أن ترسخ مسألة ولاية العهد في قلوب الجند والعامة.
ولما رأى الإمام الحاح المأمون قال: أن اعفيتني من ذلك فهو أحب إلي وإن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول الله(ص) وكما خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع). فقال المأمون: اخرج كما تحب!
وفي صباح العيد اجتمه القواد والاعيان والأشراف على باب الدار ينتظرون خروجه، وقعد سائر الناس في الطرقات ينتظرون موكبه(ع)، كما أن كثيرا من النساء والأطفال كانوا قد صعدوا على السطوح لكي يشاهدوا عظمة الموكب وما أن طلعت الشمس حتى خرج الإمام الرضا(ع) وبالشكل الذي اشترطه على المأمون، فاغتسل ولبس عمامة بيضاء وألقى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه وشمر ثم قال لجميع مواليه: افعلوا مثل ما فعلت ثم أخذ بيده عكازه وخرج حافي القدمين ، مشمرا سراويله إلى منتصف الساق ولما رفع صوته قائلا: الله أكبر! ردد معه أصحابه التكبير بصوت واحد فتخيل الناس أن الأرض والسماء كانتا ترددان معه التكبير. فلما طلع الإمام(ع) على الناس بهذه الصوره وشاهد القواد أثر ذلك في نفوسهم تأثيرا عظيما فرموا سلاحهم وزينتهم وكانوا قد تزينوا بأحسن الزينة ولبسوا السلاح وركبوا مراكبهم وتهيئوا بأبهى هيئة.
ثم وقف الإمام(ع) على باب الدار وقال بصوت مرتفع الله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام والحمد لله على ما أبتلانا.
وكرر الناس ماقاله الإمام(ع) بصوت مرتفع وبنغمة واحدة فلم يتمالكوا أنفسهم من البكاء فسالت الدموع وعلا الصراخ وهاجت أحاسيس الناس وتحركت نفوسهم فلم تمض على هذا الحال مدة حتى ضجت((مرو)) ضجة واحدة وانفجر الجميع بالبكاء.
كان الإمام يقف بعد كل عشر خطوات وقفة ويكبر الله أكبر أربع مرات والناس تردد معه فكان يخيل للسامع أن السماء والأرض قد اشتركتا في الترديد معه، وقد بلغ من تهيج أحاسيس الناس في ذلك اليوم أنهم نسوا الحياة الدنيا وتركوا كل مظاهر العظمة والأبهة وساروا مع الإمام(ع) بكل حرارة وشوق نحو المصلى.
وقد بلغ المأمون ذلك حيث اخبره به الفضل بن سهل قائلا: أن الرضا (ع) بلغ المصلى وقد افتتن الناس به، والرأي أن تسأله أن يرجع، فبعث إليه المأمون وطلب منه الرجوع فعاد الإمام(ع) ولما التقى المأمون قال له: ألم أطلب منك أن تعفيني من هذا الأمر من قبل؟
(24)
الاصغاء لدعاء الأم
لم ينم تلك الليلة ،إذ كان يصغي إلى دعاء أمه التي وقفت في محرابها خاشعة متضرعة. كانت الليلة ليلة جمعة وكان يراقب ركوع أمه وسجودها وقيامها وقعودها. ومع أنه كان طفلا إلا أنه فطن إلى أمه انبرت تدعو للرجال والنساء من المسلمين بالخير والسعادة وتذكرهم بأسمائهم وتطلب لهم الرحمة والبركة ولم تدع لنفسها ، ولم تطلب ماكانت تطلبه لهم.
كانت الأم فاطمة الزهراء(ع) وكان الولد ابنها الحسين(ع) حيث أمضى ليلته في مراقبة أمه وهي تدعو، وانتظر أن تدعو لنفسها ليرى ماستطلبه من الباري عزوجل . قضت الليل داعية ضارعة إلى أن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم يسمع الحسين(ع) أمه تدعو لنفسها قط، فبادرها بالسؤال قائلا: لم لم تدعو لنفسك يا أماه كما دعيت لغيرك؟ فأجابت: يا بني الجار ثم الدار.
(25)
أمام القاضي
شكا أحد الناس علي بن أبي طالب(ع) إلى عمر بن الخطاب في خصومة وقعت بينهما ، وكان عمرا أميرا للمؤمنين، فاحضرهما وقال لعلي(ع): قف يا أبا الحسن إلى جانب خصمك فبدأ التأثر على وجه الإمام علي.
فقال له عمر: أكرهت يا علي أن تقف إلى جانب خصمك ؟
فقال الإمام(ع): لا يا أمير المؤمنين، ولكني رأيتك لم تسو بيني وبينه، إذ عظمتني بالتكنية ولم تكنه.
(26)
في منى
كان الإمام الصادق (ع) مع بعض أصحابه بمنى، وقد اجتمعوا حوله، وكان بين أيديهم عنب يأكلون منه، فمر بهم سائل وطلب منهم مساعدة، فتناول الإمام(ع) عنقودا من العنب وأعطاه إياه، فرفض السائل أخذه قائلا: أن كان درهم؟
فقال الإمام(ع): يسع الله عليك، فذهب السائل ثم رجع وقال: هاتوا العنقود فقال الإمام(ع): يسع الله عليك، ولم يعطه العنقود.
ولم تمض لحظات حتى مر عليهم سائل آخر وطلب المساعدة أيضا فاعطاه الإمام(ع) مقدارا من العنب، فقال: الحمد لله رب العالمين الذي رزقني. فلما سمعه الإمام(ع)قال له: مكانك. ثم ملأ كفيه عنبا وناوله إياه فأخذه السائل قائلا: الحمد لله رب العالمين . فقال له الإمام مكانك. ثم توجه إلى صاحبه وسأله: كم من الدراهم معك؟ فإذا معه نحو عشرين درهما فأخذها الإمام(ع) وناولها للسائل. فنطق بشكر الله للمرة الثالثة قائلا: الحمد لله هذا منك وحدك لا شريك لك. وما أن سمع الصادق(ع) منه هذا حتى خلع قميصه وأعطاه للسائل، وهنا قال السائل: الحمد لله الذي كساني وسترني ثم شكر الإمام(ع) ودعا له بقوله: يا أبا عبدالله جزاك الله خير، ثم انصرف. يقول أصحاب الإمام(ع): ظننا أنه لو لم يدع له ، لم يزل يعطيه، لأنه كلما كان يعطيه حمد الله.
(27)
رافعوا الأثقال
مر رسول الله(ص) بقوم يرفعون أحجارا فقال: ما هذا؟ فقالوا: نختبر أشدنا وأوانا فقال: ألا أخبركم بأشدكم وأقواكم؟
قالوا : بلى يا رسول الله.
قال(ص): أشدكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في أثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه عن قول الحق، وإذا ملك لم يتعاط ما ليس له بحق.
(28)
المسلم الجديد
مما بنقل عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: كان لرجل مسلم جار كافر، فكانا يتحدثان حول الإسلام أحيانا، ولم يزل المسلم يزين الإسلام في نظر جاره الكافر حتى أسلم. كان الوقت سحرا حينما سمع النصراني الحديث الإسلام قرعا على الباب، فتسائل: من الطارق؟
أنا فلان، وعرف نفسه، فكان جاره المسلم.
قال : ما حاجتك في وقت كهذا؟
فناداه أن توضأ بسرعة وارتد ثيابك حتى نذهب إلى المسجد لأداء الصلاة. توضأ الرجل النصراني الذي دخل الإسلام حديثا وخرج مع رفقه المسلم، ولأول مره في حياته ذهب إلى المسجد.. كان الوقت يقترب من الفجر فصليا كثيرا حتى حان وقت صلاة الصبح فأديا الفريضة وانشغلا بالدعاء حتى أضاء الصباح العالم بنوره، فأراد المسلم الجديد أن يذهب إلى منزله فقال له رفيقه المسلم:
إلى أين؟
أريد أن أدعود إلى منزلي، لقد أدينا فريضة الصلاة ولم يعد لنا من عمل.
فيم العجلة، لنقرأ تعقيبات الصلاة حتى بزوغ الشمس.
فاستجاب الملم الجديد ومكث مكانه وانشغل بذكر الله حتى بزغت الشمس، فنهض ليذهب فطلب صاحبه منه أن يقرأ القرآن حتى يرتفع النهار وأوصاه أن ينوي نية الصوم لذلك اليوم وقال له: أنت تعلم كم هو ثواب الصوم وفضيلته؟
ولما حان وقت الظهر قال المسلم: اصبر قليلا ، لم يبقى بينك وبين الظهر إلا قليل، ثم أدى فريضة الظهر بعد دخول وقتها، وبعد أن أنهيا صلاة الظهر قال المسلم لرفيقه أن صلاة العصر على وشك أن يحين وقتها وفضيلتها أن تؤدى في وقتها.
وبعد صلاة العصر قال المسلم: لم يبق من النهار شيء فأجبر رفيقه على البقاء حتى صلاة المغرب وبعد صلاة المغرب أراد المسلم الجديد أن يغادر المسجد إلى بيته فلم يوافق المسلم حيث قال له: لم يبق أمامنا غير فريضة واحده وهي فريضة العشاء فصلاها وذهب إلى منزله.
وفي سحر الليلة الثانية سمع بابه تقرع فسأل: من الطارق؟
أنا جارك فلان، توضأ بسرعة وألبس ثيابك حتى نذهب معا إلى المسجد.
أنا من دينك هذا استغنيت ، اذهب وفتش عن شخص أكثر بطالة مني يستطيع أن يقضي وقته في المسجد، أنا إنسان فقير وصاحب عيال ويجب أن أعمل طلبا للرزق.
بعد أن نقل الإمام الصادق(ع) هذه االحكاية إلى أصحابه قال: وهكذا فإن العابد الذي ادخل هذا المسكين في الإسلام هو الذي اخرجه منه، فلتكن لكم في ذلك عبره فلا تضيقوا على الناس.. فللناس طاقات وقابليات متفاوته فيجب معاملتهم على ضوئها. أما علمتم أن أمارة بني أمية قامت بالسيف والعسف. وأن أمامتنا نقوم بالرفق والألفة والوقار والتقية وحسن الخلطة والورع والاجتهاد، فرغبوا الناس في دينكم وما أنتم فيه.
(29)
على مائدة الخليفة
شريك بن عبدالله النخعي من الفقهاء المعروفين في القرن الثاني الهجري المشهور بالزهد والتقوى والعلم. وكان الخليفة المهدي العباسي يرغب أن يفوض له منصب القضاء، ولكنه كان يرفض طلب الخليفة العباسي في أن يكون معلما لأولاده.
وذات يوم أرسل المهدي على شريك، وقال له: لابد أن تجيبني إلى واحد من ثلاث: إما أن تتولى القضاء، أو تحدث ولدي وتعلمها، أو تأكل معنا أكلة.
فكر شريك في الاختيارات الثلاثة ثم قال: الأكلة اخفهن علي، فأمر المهدي الطباخ بإعداد ألوان الأطعمة الشهية، فلما فرغ شريك من غذائه قال القيم على المطبخ للخليفة: لن ينجو الشيخ بعد من هذه الأكلة أبدا!
ولم تمض مدة طويلة حتى ولي شريك منصب القضاء، وصار معلما لأولاد الخليفة وقد عين له مرتبا من بيت المال. وفي يوم ما حدث نزاع بين شريك ومدير المال حول مرتب شريك، فقال له مدير المال: انك لم تبع برا.
فرد شريك: بلى والله لقد بعت أكبر من البر، لقد بعت ديني!!
(30)
شكاية الجار
جاء رجل إلى النبي(ص) وشكا إليه أذى جاره، فقال له النبي (ص): اصبر لعله يغير طريقته.
وبعد مدة جاء مرة ثانية، فقال له النبي(ص): اصبر!
ثم جاء مرة ثالثة فقال له النبي(ص): إذا كان يوم الجمعة اخرج أثاث بيتك وضعه على قارعة الطريق حتى يراه من يذهب لصلاة الجمعة فإذا سألوك فاخبرهم بالخبر، ففعل الرجل بوصية الرسول(ص) فأتاه جاره معتذرا وقال له: رد متاعك إلى بيتك فلك الله علي أن لا أعود.
(31)
شجرة التمر
روى زرارة عن أبي جعفر(ع) قال:
أن سمرة بن جندب كان له عذق في حايط لرجل من الأنصار وكان منزل الأنصاري بباب البستان فكان يمر به إلى نخلته ولا يستأذن فكلمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فجاء الأنصاري إلى رسول الله(ص) فشكا إليه أخبره الخبر. فأرسل الرسول إلى وأخبره بقول الأنصاري وشكايته، ثم قال له: إذا أردت الدخول فاستأذن ، فأبى ، فلما أبى ساومه الرسول(ص) حتى بلغ به من الثمن ماشاء الله، فأبى أن يبيع، فقال الرسول(ص): لك بها عذق يمد لك في الجنة فلم يقبل فقال رسول الله (ص) للأنصاري: اذهب واقلعها وأرم بها إليه، فإنه لا ضرر ولا ضرار.
(32)
في بيت أم سلمة
كانت الليلة لية أم سلمة، فذهب النبي (ص) إلى بيتها ليمضي ليلته هناك. وعندما أسدل الظلام سدوله وضرب السكون سرادقه على البيت، نهض النبي(ص) من فراشه دون أن تحس به أم سلمة، وانتحى زاوية من البيت، فلما انتبهت دهشت لعدم وجوده في الفراش، فداخلها ما يداخل النساء عادة، فهبت تطلبه في جوانب البيت فألفته قائما في زاويه منه يدعو ويبكي ويقول:
اللهم لا تنزع مني صالح ما أعطيتني أبدا، اللهم لا تشمت بي عدوا ولا حاسدا أبدا، اللهم ولا تردني في سوء استنقذتني منه أبدا، اللهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا.
فأثرت فيها حالة الرسول تلك تأثيرا شديدا، فانفجرت باكية، فانتبه النبي(ص) لبكائها، فذهب إليها وسألها: ما يبكيك؟
فأجابت: لم لا أبكي؟! أنت بالمكان الذي أنت به من الله ومع هذا تسأله أن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين أبدا، فكيف بي؟
فقال(ص). يا أم سلمة، وما يؤمنني وقد وكل الله يونس بن متى إلى نفسه طرفة ةعين وكان منه ما كان.
(33)
السوق السوداء
عندما ازدادت عائلة الإمام الصادق(ع) وأصبح القيام بمهامها ثقيلا، صمم عليه السلام أن يشتغل بالتجارة، فأعطى إلى مولاه مصادف ألف دينار وقال له: تجهز حتى تسافر إلى مصر. أخذ مصادف رأس المال واشترى به بضاعة لها سوق رائجة عند أهل مصر واتجه إلى هناك مع جماعة من التجار.
عندما بلغ التجار أبواب مصر صادفوا قافلة خارجة منها فسألوا تجارها عن سوق بضاعتهم فاخبروهم بنفاذ البضاعة وبحاجة الناس إليها ففرح التجار القادمون إلى مصر واتفقوا أن لا يبيعوا إلا بربح مضاعف.
وهكذا دخلوا مصر فرحين لما وجدوا من حاجة الناس لبضاعتهم فلم يبيعوها إلا بما كانوا قا اتفقوا عليه فأوجدوا من جراء ذلك سوقا سوداء لبضاعتهم.
رجع مصادف إلى المدينة فرحا بما عاد به من ربح مضاعف، فلما دخل على الإمام الصادق وأعطاه رأس المال مع الربح، سأله الإمام عن كيفية كسب هذا الربح الكثير فأخبره بما جرى من لقاء القافلة الخارجة من مصر وكيف أنهم علموا بشحة البضاعة وحاجة الناس إليها وكيف أنهم اتفقوا على البيع بالربح المضاعف.
فقال الإمام(ع): سبحان الله تحلفون على قوم مسلمين ألا تبيعوهم إلا بربح الدينار دينارا ، ثم أخذ ألف دينار فقط وقال: هذا رأس المال ولا حاجة لنا في هذا الربح ،ثم أضاف قائلا: يا مصادف مجادلة السيوف أهون من طلب الحلال.
(34)
المتخلف عن القافلة
صوت ضعيف قادم من بعيد، أخذ يطرق أسماع القافلة..كان صاحبه يستغيث من حادث ألم به، طالبا المساعدة، فلقد بركت ناقته من شدة ما أصابها من الإجهاد والظمأ، فاضطر إلى الترحل عله يستطيع إنهاضها من جديد.
في هذا الوقت وصل النبي(ص)، إذ كان يسير في أخريات القافلة يساعد العاجز ويغيث الضعيف. فلما سمع استغاثة الشاب أسرع إليه وسأله:
من أنت؟
أنا جابر يا رسول الله.
ما شأنك ؟
بركت ناقتي ولم أفلح في حثها على المسير.
أمعك عصا؟
نعم يا رسول الله.
هاتها.
فلما أخذ النبي(ص) العصا، ضرب الناقة ثم انهضها ثم أناخها وقال لجابر اركب.ركب جابر وأخذ يسير مع النبي(ص) والنبي(ص) يلاطفه ويمازحه فسأله:
ما ترك أبوك عبدالله من الولد؟
سبع نسوة( أي سبع فتيات ).
أعليه دين؟
نعم.
إذا قدمت المدينة فقاطع الغرماء. فإن أبوا فانتظر فإذا حضر جذاذ فأذني ( أي أخبرني ).
إن شاء الله.
هل تزوجت؟
نعم.
بمن؟
بفلانة بنت فلان، كانت بالمدينة.
هلا تزوجت بفتاه تلاعبها و تلاعبك؟
كان عندي نسوة خرق فكرهت أن آتيهن بامرأة خرقاء، فرأيت أن هذه أجمع لأمري.
أصبت وأحسنت. بكم اشتريت جملك؟
بخمس أوراق من الذهب.
بهذه القيمة اشتراه فإذا بلغنا المدينة فتعال وخذ قيمته، ولما وصلوا المدينة أخذ جابر جملة وذهب إلى النبي(ص) ليعطيه ما وعده. فقال النبي(ص) ليلال: اعطه خمس أوراق من ذهب يستعين بها في دين أبيه عبدالله وزده ثلاثا وأردد عليه جمله. ثم قال لجابر: هل قاطعت غرماء أبيك؟
لا؟
أترك أبوك وفاء دينه.
لا.
لا عليك، إذا حضر جذاذ نخلكم فأذني.
فلما حضر جذاذ النخل أذن جابر النبي(ص)، فدعا لهم فجددوا واستوفى كل غريم ما كان يطلب تمرا، وبقي لجابر من التمر ما يكفيه وأكثر.
(35)
شسع النعل
ذهب الإمام الصادق(ع) ذات يوم مع نفر من أصحابه إلى قريب له يريد تسليته، فينما كان يمشي مع أصحابه إذ انقطع شسع نعليه فأخذه بيده ومشى حافيا ، فلما رآه ابن أبي يعفور يفعل ذلك وكان كبار صحابته(ع) خلع شسع نعله وناوله إلى الإمام(ع) كي يمشي بنعل، فاعرض عنه الإمام غير راض بما فعله وقال: أن صاحب المصيبة أولى بالصبر عليها.
(36)
الفرزدق وهشام
مع أن هشام بن عبد الملك كان وليا للعهد في ذلك الوقت الذي بلغت فيه الدولة الاموية أوج عظمتها وتسلطها. إلا أنه لم يستطع الوصول إلى (الحجر الأسود) بعد أن أتم طواف الكعبة بالرغم من محاولاته اليائسة.
كان حجاج بيت الله الحرام يرتدون لباسا واحدا هو لباس الإحرام، وكانوا مشغولين بأعمال واحدة هي لأعمال الحج، وكانوا غارقين باحسيسهم الآخروية التي تشغلهم عن كل شخصية ومقام فكانوا سواسية لا يفرق بينهم شيء.
أما هشام فكان قد جلب معه الرجال والحشم ليحفظوا له أبهته وفخامته، وكان هؤلاء صاغرين أزاء عظمة الحج وسموه المعنوي.
كرر هشام محاولته اليائسه للمس الحجر ولكنه رجع خائبا لشدة الازدحام واجتماع الخلق، فأمر بأن ينصب له عرش على مكان مرتفع حتى يقيظ له النظر إلى الحجيج وليملأ عينيه وليتفرج على هذا الاجتماع المهيب.
وبينما هو وحاشيته على هذه الحال إذ شاهد رجلا يعلو سيماءه التقوى والورع، يغطي جسمه قميص أبيض مثل سائر الحجاج، بدأ بالطواف حول الكعبة ثم توجه بخطوات مطمئنة يريد لمس الحجر الأسود، فلما رآه الناس انفجروا قسمين وتنحوا عنه هيبة وجلالا.
دهش الشاميون لهذا المنظر العجيب ولم يستطع أحدهم أن يمسك نفسه عن أن يسأل هشاما قائلا: من هذا يا أمير المؤمنين؟
فأجاب هشام: لا أعرفه.
والحقيقة أن هشاما كان يعرفه حق المعرفة إلا أنه قال ذلك حتى لا يرغب أهل الشام به.
ترى من الذي يملك الجرأة في تعريف هذا الشخص..ومن ذا الذي لا يخاف سيف هشام وسطوته، فيقدم على تعريف الرجل الشامي بهذا الرجل؟
لم يوجد من هو أشجع من الفرزدق الذي لم يبال بما سيلحقه من تشرد وأذى أن هو أجاب، فقال: أنا أعرفه!
فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟
فأنشا الفرزدق قصيدته الغراء في مدح الإمام زين العابدين،علي بن الحسين(ع) والتي منها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم
وليس قوتك من هذا بضائره
العرب تعرف من انكرت والعجم
فغضب هشام لسماع هذه القصيدة وقال الفرزدق: إلا قلت فينا مثلها؟ فقال الفرزدق: هات جدا كجده وأبا كأبيه أما كأمه حتى أقول فيك مثلها؟
فأمر هشام بحبسه في (عسفان) بين مكة والمدينة فحبس ولكنه لم يأبه بذلك، فلما بلغ خبره علي بن الحسين(ع) بعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال: أعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا أكثر من هذا لو صلناك به، فردها الفرزدق وقال:
يا ابن رسول الله ما قلت فيك الذي قلت إلا غضب الله ورسوله وما كنت أريد أن أرزق عليه شيئا، فردها الإمام(ع) ثانية إليه وقال: بحقي عليك، تقبلها فقد رأى الله مكانك وعلم نيتك عند ذلك قبلها الفرزدق.
(37)
البزنطي
كان أحمد بن محمد بن أبي نصر البيزنطي عالما كبيرا من علماء عصره، وكان يداخله شك في أمامة الرضا(ع)، ولكنه أعنقد بها أخيرا بعد أن جرت بينه وبين الإمام(ع) مكاتبات ومناقشات وأسئلة وأجوبة.
وذات يوم قال للإمام(ع): يا ابن رسول الله اشتهي أن تدعوني إلى دارك في وقت تعلم أنه لا مفسدة لنا في الدخول عليكم فيه من الأعداء، لأستفيد منك وأنهل من علمك. فأرسل له الإمام(ع) مطيته ذات يوم، وكان الوقت أول الليل ودعاه إلى بيته.
ركب البيزنطي المطية واتجه إلى بيت الإمام(ع)، وجلس معه هناك إلى أن مضى شطر من الليل طويل كان البيزنطي خلاله يعرض على الإمام مشاكله ويطرح عليه أسئلته والإمام(ع) يحلها ويجيب عليها، فلما حل وقت النوم قال الإمام(ع) لغلامه: هات الثياب التي أنام فيها لينام فيها البيزنطي؟ فرح البيزنطي كثيرا وتمنى لو أن له أجنحة يحملنه إلى الجو فلم يعد جلده يسعه ولا رجلاه يحملانه لشدة ما هو فيه من فرح، فقال في نفسه:هل هناك من هو أسعد مني أنا الذي بعث الإمام بمطيته إلي وجلس معي تلك الجلسة وها هو يامر لي بثياب نومه.
كان الإمام(ع) قد لاحظ سيماء الغرور والانتشاء بادية على البيزنطي، وكان قد اتكأ على يديه يريد النهوض، إلا أنه جلس ثانية وقطع سلسلة أفكار البيزنطي بقوله: يا أحمد لا تفخر على أصحابك بذلك فإن صعصعه بن صوحان مرض فعاده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) ووضع يده على جبهته وجعل يلاطفه فلما أراد النهوض قال: يا صعصعه لا تفخر على أخوانك بما فعلت لك فإني أنا فعلت ما فعلت لتكليف يجب علي.
(38)
عقيل وعلي
قدم عقيل على أخيه علي أيام خلافته فقال(ع) لابنه الحسن(ع) اكس عمك، فكساه قميصا ورداء من ملابسه الخاصة، فلما حضر العشاء فإذا هو خبز وملح فقال عقيل: ما هذا فقال(ع): أو ليس هذا من نعمة الله، والله الحمد.
فقال عقيل: اعطني ما أقضي به ديني وعجل سراحي حتى أرحل عنك.
قال(ع): مائه ألف درهم.
فقال(ع): لا والله ما عندي ولا أملكها ولكن انتظر حتى الصباح فيما يخرج عطائي فأواسيه ولو أنه لابد للعيال من شيء لأعطيتك كله.
فقال(ع): ما أنا وأنت فيه إلا بمنزلة رجل من المسلمين.. وفي ذلك الوقت، كان الإمام(ع) وعقيل جالسين فوق قصر الإمارة مشرفين على صناديق أهل السوق، فقال علي(ع) لأخيه: أن أبيت ما أقول فانزل إلى بعض هذه الصناديق فاكسره وخذ ما فيه، فقال عقيل : وما في هذه الصناديق؟
قال(ع): فيها أموال التجار.
قال: أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكلوا على الله ووضعوا أموالهم فيها؟
فرد الإمام(ع) قائلا: أتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين فأعطيك أموالهم وقد توكلوا على الله فيه؟
ثم أضاف(ع) قائلا: فإن شئت أخذت سيفك وأخذت سيفي وخرجنا معا إلى الحيرة فإن بها تجار ميسرين.. تدخل على بعضهم فنأخذ حتى أفعل هذا؟
فقال(ع): نسرق من واحد خير من أن نسرق من المسلمين جميعا.
(39)
الحلم المرعب
الحلم الذي رآه أرعبه كثيرا إلى درجة أن الصور المخيفة التي رآها في الحلم ظلت تتجسد أمامه، فلم يتمالك نفسه من الخوف، فالتجأ إلى الإمام الصادق(ع) وقال له: رأيت فيما يراه النائم أن شبحا من خشب أو رجلا منحوتا من خشب يمتطي فرسا من خشب ويلوح بسيفه، فاستيقظت فزعا مرتعدا وها أنا جئتك لعلي أجد عندك تفسيرا لهذا الحلم.
فقال الإمام(ع): إنك تريد أن تسلب ملك رجل ، فاتق الله الذي خلقك ثم يميتك وانصرف عن تصميمك.
فقال الرجل: أشهد أنك قد أوتيت علما واستنبطه من معدنه، أن رجلا من جيراني عرض علي ضيعته فهمت أن استحوذ عليها عنوة لما علمت أن ليس لها طالب غيري.
(40)
في ظلة بني ساعدة
كان الظلام قد خيم على المدينة بجناحيه السوداوين، والمطر قد بلل وجه الأرض بدموعه المنهمرة، فانتهز الإمام الصادق(ع) ظلمة الليل وهدوءه فخرج من بيته قاصدا (ظلة بني ساعدة). وشاء القدر أن يشاهده في تلك الساعة (معلى بن خنيس) وكان أصحابه ومحبيه فتساءل في نفسه: أين يريد الإمام في هذا الليل يا ترى؟والله لا أدعه وحده في ظلمه الليل الموحشة، فمشى خلف الإمام يراقبه والإمام(ع)لا يعلم به. وبينما هو يقتفي أثر الإمام إذ سمع فجأه أن شيئا سقط من كتف الإمام(ع) وتبعثر على الأرض،وسمع الإمام يقول: بسم الله اللهم رده إلينا.
فتقدم من الإمام وسلم عليه فعرفه الصادق(ع) من صوته فقال له: أمعلى انت؟
نعم جعلت فداك. وحانت منه التفاتة الأرض، فإذا هو بخبز كثير قد تناثر عليها.
فقال الإمام(ع): إلتمس بيدك الأرض فما وجدت من شيء فهاته.
وبعد أن جمع معلى الخبز من على الأرض وناوله إلى الإمام، علم أن الإمام عجز عن حمل جراب الخبز فسقط منه على الأرض، لذ لك استأذن من الإمام أن يحمل الجراب بدلا عنه.
فقال الإمام(ع): لا، أنا أولى به منك،ة ولكن تعال معي.
سارا معا والإمام يحمل الجراب على كتفه حتى بلغا ظلة بني ساعدة، فإذا هم بقوم فقراء نيام، لأن الظلة كانت ملجأ الفقراء ومأوى المساكين والضعفاء. فجعل الإمام يدس الرغيف والرغيفين حتى أتى على آخرهم فانصرف هو ومعلى.
قال الإمام(ع) لمعلى: صدقة الليل تطفئ غضب الرب وتمحو الذنب وتهون الحساب.
(41)
تحية اليهود
دخل يهودي على النبي(ع) وعائشة جالسة عنده، وبدل أن يقول (السلام عليكم) قالLالموت لكم) ولم تمض فترة حتى دخل آخر وقال مثلما قال الأول فرد عليه النبي(ص) كما رد على رفيقه ثم دخل ثالث فقال مثلما قال الأول والثاني فرد النبي(ص) عليه كما رد على صاحبيه.
غضبت عائشة لهذا المشهد غضبا شديدا لأنه لم يكن عفوا ووليد المصادفة. بل كان تدبيرا لأجل إيذاء النبي(ص) فقالت: (عليكم السام) والعذاب واللعنة يامعشر اليهود، يا أخوة القردة والخنازير.
فقال النبي(ص): يا عائشة أن الفحش لو تجسد لكان على أقبح صورة،ة الرفق لم يوضع على شيء قط إلا زانه ولا يرفع عنه قط إلا شأنه فلما غضب هذا الغضب الذي أفقدك إتزانك؟
يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟
بلى، ولكن أما سمعت ما رددت به عليهم، فقلت: عليكم، وحسبهم بهذا جوابا.
(42)
رسالة من أبي ذر
فتح أبو ذر الرسالة التي وصلته فوجدها قادمة من مكان بعيد، ومن رجل يعرف أبا ذر وشخصيته ومكانته من النبي(ص) وغطلاعه الواسع بأحاديث الرسول(ص) ونصائحه وحكمه، ولذا فهو يطلب في رسالته نصيحة من أبي ذر جامعة.
عندما انتهى أبو ذر من قراءة الرسالة كتب في جوابها: لاتعاد أحب الناس إليك ولا تسئ إليه، فلما وصل الجواب إلى الرجل وقرأه لم يفهم منه شيئا، فتسائل في نفسه: ماذا يريد أبو ذر بهذا، لا تعاد أحب الناس إليك؟ إن هذا لعمري لمن أوضح الواضحات، أفيعقل أن يعادي الإنسان أحب محبوب لديه وأن يسئ إليه فالذي أدريه إنه لا يسئ إليه فحسب بل ويفديه بماله وروحه. ثم فكر في نفسه مليا وقال: يجب أن لا أنسى شخصية كاتب هذه الوصية، إنه أبو ذر، إنه لقمان هذه الأمة وحكيمها، فلأطلب منه توضيحا لما أوصاني به فكتب إليه رسالة أخرى طالبا منه توضيح ما كتب.
فكتب أبو ذر في الجواب: أن مقصودي من أحب وأعز الأشخاص لديك هو نفسك، ولست أقصد شخصا آخر، فأنت تحب نفسك أكثر مما تحب الآخرين ولذلك قلت لك: لا تسئ إلى أحب الناس إليك ومعناه أن لا تسئ إلى نفسك، ألا تعلم بأن كل ذنب وكل جرم يرتكبه الإنسان يعود ضرره على نفسه؟
(43)
الأجر غير المقطوع
خرج سليمان بن جعفر الجعفري مع الإمام الرضا(ع) لإنجاز بعض الأعمال، فلما انقضى النهار وجرت الشمس أذيالها نحو الغروب، أراد سليمان أن يذهب إلى منزله فقال له الإمام(ع): تعال معي وبت عندي الليلة، فلبى سليمان رغبة الإمام(ع) وذهب معه إلى بيته.
قال سليمان، فلما دخل الإمام(ع) إلى البيت وجد غلمانه يبنون بالطين وفضلات الدواب ومعهم رجل أسود فسألهم: من هذا الرجل الذي معكم: فقالوا: يعاوننا ونعطيه شيئا.
قال(ع): قاطعتموه على أجره؟
لا ، هو يرضى منا بما نعطيه.
فغضب الإمام(ع) غضبا شديدا وأقبل عليهم بالضرب بالسوط.
قال سليمان فتقدمت نحوه وقلت له: جعلت فداك لم تدخل على نفسك الأذى وتزعجها.
فقال(ع): إني قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرة، وهو أن لا يعمل معهم أحد حتى يقاطعوه أجرته، وأعلم أنه ما من أحد يعمل لك شيئا بدون مقاطعة، ثم زدته ثلاثة أضعاف على أجرته إلا ظن إنك قد نقصته أجرته، وإذا قاطعته ثم أعطيته أجرته حمدك على الوفاء فإن زدته جبة عرف ذلك لك ورأى إنك قد زدته.
(44)
أحر أم عبد؟
كانت أنغام المعازف والمغنيين تلعب بالرؤوس التي لعبت الخمرة بها لعبتها.
وفي الأثناء فتح باب الدار وأطلت جارية من البيت لترمي بالقاذورات في الطريق فصادفت رجلا مارا من هناك وقد بدت على سيمائه آثار العباده والورع فسألها: صاحب هذا البيت حر أم عبد؟
حر.
صدقت فلو كان عبدا لخاف من مولاه.
ولما دخلت البيت، كانت قد أبطأت بسبب حديثها مع الرجل ، فسألها مولاها: ما أبطأك؟
فقالت: رجل ما كان مارا في الطريق تبدو عليه آثار الصلاح والتقوى، سألني بكذا وأجبته بكذا.
فلما أنهت حديثها فكر مليا فيما نقلته إله سيما في هذه الجملة لو كان عبدا لخاف من مولاه. حيث وقعت على قلبه موقع السهم. فخرج حافيا يريد الرجل فلما وصل إليه وجده الإمام موسى بن جعفر(ع) فتاب على يده معتذرا ولم ينتعل من يومه ذاك حتى مات.
كان قبل ذلك اليوم يعرف بأبي نصر بشر بن الحارث بن عبدالرحمن المروزي وبعده صار يعرف( بشر الحافي).
كان الحارث قبل ذلك من أصحاب المعازف والملاهي ولكن قول الإمام(ع) أثر في نفسه وكان سببا إلى توبته فأصبح عارفا عابدا زاهدا.
(45)
في الميقات
حج مالك بن أنس فقيه المدينة مرة مع الإمام الصادق(ع) فلما أوصلا الميقات وارتديا ثياب الإحرام وشرعا بالتلبية واستوث بالإمام(ع) راحلته، حانت إلتفاتة من مالك فوجد حال الإمام(ع) انقلبت فكلما هم بالتلبية أرتج عليه فلا يخرج الصوت من فمه إلى أن بلغ به الضعف حدا كاد أن يسقط معه عن راحلته فتقدم إليه مالك وقال: يا ابن رسول الله لا بد لك من أن تلبي.
فقال(ع) يا ابن أبي عامر كيف أجسر أن أقول لبيك اللهم لبيك وأنا أخشى أن يقول لي عزوجل لا لبيك ولا سعديك.
(46)
ثمر النخل
جريا على العادة، خرج الإمام علي(ع) يوما إلى خارج المدينة يبتغي الفلاحة في بستانه وكان يحمل وسقا كيسا من نوى فصادف في طريقه رجلا.
فقال له الرجل: ما هذا الذي تحمله يا أبا الحسن؟
مائه ألف عذق نخلة إن شاء الله.
ذهب الإمام(ع) وغرس جميع ما كان يحمله في الكيس من النوى وبعد أن تعدها مدة من الزمن أصبحت نخلا يانعا.
(47)
ثمرة العمل
مر علي بن أبي حمزة البطائني على الإمام الكاظم(ع) وهو يعمل في أرضه ويعدها للزراعة بكل جد ونشاط بحيث كان يتصبب عرقا، مما دعا علي ابن أبي حمزة إلى سؤاله: جعلت فداك، أين الرجال؟ لماذا لا تفوض هذا العمل إلى الآخرين؟
ولم أفوضه إلى غيري؟ يا علي أن أنا عملت بيدي فقد عمل بيده من هو خير مني ومن أبي.
من هو؟
رسول الله وأمير المؤمنين، وآبائي كلهم كانوا قد عملوا بأيديهم، والعمل هو حرفه كل الأنبياء والمرسلين والأوصياء والصالحين.
(48)
الصداقة التي قطعت
لعله لم يخطر ببال احد بأن هذه الصداقة سوف تقطع إلى الأبد وإن هذين الرفيقين المتلازمين سينفصلان إلى الأبد. فالناس كانوا يعرفون أحد الصديقين باسم الآخر أكثر مما يعرفونه باسمه الحقيقي فكانوا ينادونه برفيق الإمام الصادق(ع).
وذات يوم دخل الصديقان سوق الحذائين، وكان بمعيتهم غلام رفيق الإمام، كان يمشي خلفهم وفجأه التفت رفيق الإمام إلى الوراء فلم ير غلامه, فمشي عدة خطوات ثم التفت ثانية فلم يجد غلامه أيضا، ونظر خلفه للمرة الثالثة فلم يعثر على الغلام، فلقد كان مشغولا بالنظر إلى ما في السوق، ولما أعاد الكره وقع نظره على غلامه فقال له: يا ابن الفاعلة أين كنت؟ فلما سمع الإمام الصادق(ع) هذا الكلام منه استهجنه ورفع يده وحزب بها جبهته وقال: سبحان الله تقذف أمه. كنت أرى أن لك ورعا فإذا ليس لك ورع.
فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله إن أمه سندية مشركة.
فقال(ع): فلتكن أمه كافرة، أما علمت بأن لكل أمة نكاحا، وأن أبنائهم ليسوا بأولادنا ثم قال له إليك عني.
ولم يشاهد الإمام(ع) بعد ذلك ماشيا مع رفيقه حتى فرق الموت بينهما.
(49)
التهور
كان ابن المقفع مع حكمته ومع ماله من فضل وبيان، سليط اللسان جريئه، بحيث أن لسانه وتهوره قتلاه.
حدث أن كتب ابن المقفع كتاب أمان لعبدالله بن علي عم المنصور، كان في جملته: ومتى غدرا أمير المؤمنين بعمه عبدالله أو بطن غير ما ظهر أو تأول في شيء من شروط هذا الأمان فنساؤه طوالق ودوابه حبس وعبيده وماؤه أحرارا والمسلمون في حل بيعته. فاشتد ذلك على المنصور لما وقف عليه وسأل: من الذي كتب له الأمان فقيل له عبدالله بن المقفع كاتب عميك عيسى وسليمان ابني علي بالبصرة.
فكتب المنصور إلى عامله بالبصرة سفيان بن معاوية يأمره بقتله. وكان سفيان يتحين الفرص للانقضاض على ابن المقفع لأنه كان يعبث ويستخف به دائما، فلقد قال لسفيان ذات مره: يا ابن المغتلمة. وكان يعتصم بعيسى وسليمان منه فكتمها سفيان في نسفه. فلما كوتب في أمره بما كوتب، صمم على قتله، فأرسل عليه جماعة من أهل البصرة يطلبونه، فجيء به فأدخل به إلى حجره في دهليز وبقي غلامه ينتظر على دايته في باب سفيان، فصادف ابن المقفع في تلك الحجره سفيان بن معاوية وعنده غلمانه وتنور نار يسجر، فبادره سفيان بالقول: أتذكر يوم قلت كذا، أمي مغتلمة؟ لأقتلنك، فقتله قتلة لم يقتل بها أحد ثم قطع أعضاءه وألقاها في النار حتى أتى على جميع جسده، ثم خرج إلى الناس وكلمهم، فلما خرجوا من عنده تخلف غلام بن المقفع ينتظره فلم يخرج فمضى وأخبر عيسى بن علي وأخاه سليمان بما جرى فخاصما سفيان في أمره لدى المنصور وقامت البينة العادلة أن ابن المقفع دخل دار سفيان حيا ولم يخرج منها وقامت الشهادة وطلب سليمان وعيسى القصاص، فقال المنصور: أرأيتم أن قتلت سفيان بابن المقفع ثم خرج ابن المقفع عليكم كم هذا الباب وأومأ إلى باب خافه، من يهب نفسه لي حتى أقتله بسفيان؟ فسكتوا ورفع الأمر وأضرب عيسى وسليمان عن ذكر ابن المقفع بعدها فذهب دمه هدرا.
(50)
الهجاء
كان ابن الرومي علي ابن العباس البغدادي شاعرا معروفا كثير الهجاء واتفق أن كان حاضرا في مجلس الخليفة المعتضد وهو وزير قاسم بن عبيدالله. كان ابن الرومي هجاء لا يخشى أحدا وكان الوزير يخشى لسانه وينتهز الفرصة للتنكيل به ولكنه لم يكن يظهر ذلك. إلا أنه وجد في هذا المجلس الفرصة سانحة فأمر أن يدسوا السم في طعام ابن الرومي، فلما تناول ابن الرومي طعامه علم بأن الوزير قاسم قد ظفر بمراده فقال يريد الخروج فقال له الوزير: إلى أين تذهب يا ابن الرومي؟
إلى المكان الذي أرسلتني.
بلغ تحياتي إلى أبي وأمي.
فقال ابن الرومي: أنا لا أذهب إلى جهنم حتى أراهما فأبلغهما تحياتك ثم ذهب إلى بيته حيث كان ينتظره أجله.
(51)
الشريكان
كان اخلاص هشام بن الحكم وعبدالله بن يزيد الأباضي ومودتها لبعضهما موضع إعجاب أهل الكوفة ومضربا للمثل ، كانا خرازين شريكين في حانوت يملكانه.
وأكثر ما كان يثير عجب الناس أنهما لم يختلفا فينا بينهما قط، مع اختلافهما التام في العقيدة. فقد كان هشام من متكلمي الشيعة الإمامية وعلمائهم ومن خواص الإمام الصادق(ع). وكان عبدالله بن يزيد من علماء الأباضية المشهورين ومع أنهما لم يزجا عقائدهما المذهبية في شؤون حياتهما الأخرى.
والشيء العجيب في ذلك أن أصحاب هشام بن حكم كانوا يختلفون إليه وهو في الحانوت يأخذون منه استيضاحات عقائدهم الدينية والمذهبية وعبدالله يسمع ذلك ولا يبدي أيه مخالفة، وكذلك الأباضية كانوا يختلفون إلى صاحبهم يأخذون عقائدهم منه وهشام يسمع ولا يظهر أية مخالفة.
وذات يوم قال عبدالله لهشام: أنت تعلم ما بيننا من المودة ودوام الشركة، وقد أحببت أن تنكحني ابنتك فاطمة !
فأجابه هشام قائلا: إنها مؤمنة.
فسكت عبدالله ولم يعوده في شيء من ذلك واستمرا في محبيهما وشراكتهما حتى فرق الموت بينهما.
(52)
منع شارب الخمرة