
![]()
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحَمْدُ للّهِ ِ وَالحَمْدُ حَقُهُ كَما يَسْتِحِقُّهُ حَمْداً كَثِيراً ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِي ؛ إِنَّ النَّفْسَ لاَمّارَةٌ بِالسوءِ إِلا مارَحِمَ رَبِّي ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطانِ الَّذِي يَزِيدُنِي ذَنْباً إِلى ذَنْبِي ، وَاحْتَرِزُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَبّارٍ فاجِرٍ، وَسُلْطانٍ جائِرٍ ، وَعَدُوٍ قاهِرٍ . اللّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ جُنْدِكَ فَإِنَّ جُنْدَكَ هُمُ الغالِبُونَ ، وَاجْعَلْنِي مِنْ حِزْبِكَ فَإِنَّ حِزْبَكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ، وَاجْعَلْنِي مِنْ أوْلِيائِكَ فَإِنَّ أَوْلِيأَكَ لاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاهُمْ يَحْزَنُون . اللّهُمَّ اصْلِحْ لِي دِينِي فَإِنَّهُ عِصْمَةُ أَمْرِي ، وَاصْلِحْ لِي اَّخِرَتِي فَإِنَّها دارُ مَقَرِّي وَإِلَيْها مِن مُجاوَرَةِ اللئامِ مَفَرِّي ، وَاجْعَلِْ الحَياةَ زِيادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالوَفاةَ راحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍ اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ وَتَمامِ عِدَّةِ المُرْسَلِينَ ، وَعَلى اَّلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَأَصْحابِهِ المُنْتَجَبِينَ. لماذا .. الدنيا سجن المؤمن.. ؟؟ يا أبا ذر: الدنيا سجن المؤمن والقبر بيته و أمنه ، والجنة مأواهُ و مصيره . يا أبا ذر إن الدنيا جنة الكافر والقبرسجنه و عذابه ، والنارمأواه و مصيره. وعن الأمام الحسين عليه السلام : صبرا بني الكرام ، فما الموت إلا قنطرة تعبربكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر وما هو لاعدائكم إلا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب . إن أبي حدثني عن رسول الله صلى الله عليه واله أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر والموت جسر هؤلاء إلى جناتهم وجسر هؤلاء إلى جحيمهم ، ما كذبت ولا كذبت . عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ما من مؤمن إلا وقد وكل الله به أربعة : شيطانا يغويه ، يريد أن يضله ، وكافرا يغتاله ، ومؤمنا يحسده وهو أشدهم عليه ، ومنافقا يتتبع عثراته . فكيف لايكون المؤمن سجينا ويرى شيطانا يجهد لإضلاله وكافرا يسعى لقتله وحاسدا ومنافقا ، هؤلاء من ذوي العقل والشعور،ناهيك عن الكوارث وفقد الاحبة والزلازل والفقر والسجن والغربة.. والمؤمن أسير حتى للهواء والجاذبية والآفات والاقدار ، وماصنعت يداه من سيارات وطائرات ووسائل وآلات يتحطم بها ويسقط منها ويموت بحوادثها .. والاسر المعنوي أدهى وأمر: من وسواس خناس من الجنة والناس ،ومن نفسه التي بين جنبيه وهي أحب الأنفس اليه تخدعة وتزين له وتبرر له أخطائه ومواقفه ، أمارة بالسوء والشر ، ميالة الى اللهو واللعب ومن الضغوط النفسية والمعنوية التي يتعرض لها خلال حركته الجهادية في الحياة ..وما فيه من غرائز مذمومة تبرز أحيانا من ذم ومدح ومداراة وغيبة وتجاوزوغضب وعجب وحب للذات والدعة والراحة .. يراها المؤمن زنازين وأثقال وقيود تثقله عن التحليق وموانع وسدود وقضبان .... كيف يطيق المؤمن هذا الكم الهائل من القيود و المعاناة !! وبماذا ينجو منها ؟؟ ومتى يجد الراحة من هذا السجن الكبير ؟؟ وماهي وسائله وأسلحته وأعوانه ومرشديه للنجاة ؟؟ المؤمن سجين في الدنيا لأنه مقيد بحدود الله لا يتعداها الى الشهوات والملذات والمحرمات.. عن الإمام الصادق(ع) :( المسجون من سجنته دنياه عن آخرته ) والمؤمن في الدنيا يرى الملذات والشهوات ولديه القدرة ولكنه يكبح جماحها لكي لايحرم مما تلذ الأعين وتشتهي الأنفس.. يجاهد نفسه ليوم تتدلى له الثمر بدل المعاناة في تحصيلها اليوم .. ويصبر على كثير مما ترى عيناه وتسمع أذناه لكي لايحرم مالاعين رأت ولاأذن سمعت ولاخطر على قلب بشر من النعيم المقيم !! عرف مايطلب فهان عليه مايبذل ويعاني ، كاالعامل يكدح في حره وبرده ليأخذ الاجرة بعد عناءه، أو كالزارع يجهد في الموسم ليحصد ثماره .. والمؤمن سجين في الدنيا لأنه محجوب عن المحبوب ، جسده هنا وروحه هناك !! فهو يعمل كادحا صابرا لتحصيل كمال الإنقطاع الى الله حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل الى معدن العظمه ، وتصير أرواحنا معلقة بعز عرشك ..فهو عاشق لايطيق الفراق ..ومقتدي ومتأسي باحبائه وأولياءه محمد رسول الله (ص) وأهل بيته الطيبين الطاهرين ومقدمهم بين يدي حاجاته ومسائله، ومتوسلا ومستشفعا بهم ورسول الله (ص) الصادق الامين يقول : ماأوذي نبي كما أوذيت.. وأهل بيته مامنهم إلا مقتول أو مسموم ..ومن يطيق مالاقوا .. ونقتدي بأصحابهم المنتجبين المجاهدين السائرين على خطاهم .. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ،إن التشبه بالكرام فلاحُ .. والمؤمن سجين في الدنيا لأنه عرف الدنيا على حقيقتها ووقف على علة خلقها للبلاء والاختبار والامتحان (خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ..) فأعد العدة في هذا الخضم المتلاطم بالتفويض والتسليم والدعاء وزاده الصبر وعزيمته اليقين والتوكل ،ومهما تقاذفته امواج البلاء ومهما تكاثرت من حوله المحن والآلآم يبقى متحديا متألقا ينظمها عقوداً من الدرر واليواقيت بشذاها الشذي ينثرها على طريق السالكين من بعده لتكون عونا لاخوانه من بعده .. وعن رسول الله (ص) تحفة المؤمن الموت .. قيل للامام الصادق (ع) : أين (نجد) الراحة ؟ فقال (ع) : في خلاف الهوى ، قيل : فمتى يجد عبدٌ الراحة ؟ فقال (ع) عند أول يوم يصير الى الجنة .. فهو بين خوف ورجاء ..اذا راى العذاب والحساب فزع ..وإذا راى حلاوة اللقاء وسنايا العطاء طمع ..لاينزع لامة حربه لأن الأعداء من حوله كُثر ..فهو في صراع وحرب شعواء ..(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) .. فهو في صراع مرير.. ويقول الشاعر :أحبُ الـُّتقى والنفس ترغبُ غيره ،وإني وإياها لمصطرعانِ ، فيوم لها مني ويوم أذلها كلانا على الأيام معتركانِ .. لهذا جاء عنوان هذا الكتيب (الدنيا سجن المؤمن ) تدويناً لتجربة ..ولافتات معبرة ..وكلمات مذكرة ..وأناشيد اسلامية .. وتجربة غنية ..وقصة مأثرة .. لأذكر نفسي وأبنائي وأهلي واخواني لأهمية مجاهدة النفس والالتفات الى مخاطر الدنيا الجسر والمعبر الى آخرة المقام والخلود .. وأرجو أن يعذرني القارئ من أي خطأ او زلة قلم وأن يهديني عيوبي وأكون شاكراً له نصحه ودعوته ،وأسألكم الدعاء بالتوفيق والتسديد .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين .. (ياحيُّ يا قيوم برحمتك استغيث فأغثني , ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا،و أصلح لي شأني كله. .. اللهم وَاخْتِمْ بِالاِنْقِطاعِ إِلَيْكَ أَمْرِي وَبِالمَغْفِرَةِ عُمْرِي ، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ . فؤاد عاشور – ابوعيسى 12-2-2004 |